د. هاجر السلطان تكتب: رؤية الهلال وبناء علم الأنثروبولوجيا السعودي: “فعل جماعي”

التعليقات: 0
د. هاجر السلطان تكتب: رؤية الهلال وبناء علم الأنثروبولوجيا السعودي: “فعل جماعي”
https://wahhnews.com/?p=98614
د. هاجر السلطان تكتب: رؤية الهلال وبناء علم الأنثروبولوجيا السعودي: “فعل جماعي”
الواحة نيوز

إن إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية في هذه الأيام يحمل رمزية خاصة؛ لتزامنه مع شهر روحاني واجتماعي تتكاثر فيه المعاني وتتجدد فيه ممارساتنا الثقافية التي تعكس هويتنا بعمق. فلحظة الإعلان عن رؤية هلال شهر رمضان، على سبيل المثال، ليست مجرد حدث فلكي، بل هي بشرى ينتظرها الجميع بلهفة؛ حيث يقف المتراؤون في أماكن مرتفعة يحدقون في الأفق لتحرّي الهلال، ومع انبثاق نوره، يتغير إيقاع الحياة. فيصبح صوت الأذان ومدفع الإفطار أكثر من مجرد إشارة زمنية، بل نقطة ارتكاز شعورية يرجع لها الناس مجتمعين حول موائد الإفطار. وكما بدأت الأيام الأولى بأنظار تتطلع إلى السماء بحثًا عن هلال رمضان، تعود الأنظار إليها مرة أخرى انتظارًا لهلال شوال. في ليلة العيد يتشابه الشغف وإن اختلف التوقيت. فعلى شاشات التلفاز يرتفع صوت محمد عبده وهو يغني “ومن العايدين ومن الفايزين”، ويرافقه صوت طلال مداح “كل عام وأنتم بخير”. تلك الأغاني لا تعلن العيد فحسب، بل توثّق لحظته في الذاكرة الجماعية.

هذه المشاهد النابضة بالحياة والتي شكّلت جزءًا من ذاكرتي وذاكرة الكثيرين، ليست مجرد طقوس موسمية أو ذكريات فردية عابرة، بل هي تمثل ما يمكن تسميته “مادة إثنوغرافية كثيفة” تكشف كيف تُبنى المعاني داخل المجتمع، وكيف تتحول لحظة فلكية مثل تحرّي الهلال، ولحظة زمنية مثل صوت المدفع الرمضاني إلى طقس اجتماعي وإعلامي مشترك؛ إنها أنماط اجتماعية حيّة أسهمت في تشكيل وعينا الجمعي.

عند سماعي الخبر، غمرتني سعادةٌ تشبه لحظة انتصارٍ لهويتنا المعرفية، واستعدتُ معها صوت مشرفي في مرحلة الدكتوراه، البروفيسور سيرافين كورونيل مولينا، وهو يتحدث بشغف عن اختياره أن يكون (Indigenous Ethnographer) -أي باحثًا يدرس مجتمعه من داخل تجربته الثقافية-. في عام 2017م، أتذكر حديثًا دار بيني وبين سيرافين حول التعمق في علم الإثنوغرافيا.  أشار سيرافين إلى أن هذا المنهج يتطلب وقتًا أطول وصبرًا وأدوات متعددة — من الملاحظة الميدانية إلى تحليل الخطاب والسرديات — لفهم التجربة الإنسانية في سياقها اللغوي والاجتماعي والثقافي. وربما لهذا السبب يتردد الكثيرون في اختياره. لقد أدركتُ لاحقاً أن تحدي الإثنوغرافي لا يكمن فقط في البحث، بل  في شرح “العدسة الإثنوغرافية”. كثيرًا ما كنت أختصرها في عبارة “البحث النوعي”، رغم أن الإثنوغرافيا تتجاوز ذلك بكثير.

لذا، في المرة القادمة التي تترقبون فيها الهلال، تذكروا أنكم لا تشاهدون ظاهرة فلكية فحسب.. بل تعيشون “لحظة إثنوغرافية” بامتياز! لحظة تعكس أحد طرقنا الفريدة في بناء المعرفة؛ حيث لا يُتخذ القرار أو يُبنى المعنى فردياً، بل عبر تشاركٍ اجتماعي يتقاطع مع هويتنا، ومع كل ما يربطنا بتراثنا وأرضنا. وكما أن رؤية الهلال “فعل جماعي”، فإن بناء “علم الأنثروبولوجيا السعودي” يجب أن يكون أيضاً “فعلاً جماعياً”.

ومن وحي هذا التفاعل الجماعي الأصيل، تبرز الحاجة اليوم لفتح مساحات بحثية وتشاركية تجمع المهتمين والباحثين الذين يدركون أن قصصنا وممارساتنا اليومية ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي مادة علمية تستحق التحليل والتنظير، وفرصة استراتيجية للاقتراب من تفاصيل عيشنا ونظمنا الرمزية؛ وهو ما أكد عليه وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان. فبينما يضع المعهد هذه الأنماط تحت مجهر البحث، فإنه يرسخ دوراً محورياً بوصفه “حارساً لقصصنا” و”جسراً معرفياً” يوثق طرق تفكيرنا وطرق إنتاج المعرفة، ويربط أصالة ماضينا بطموح مستقبلنا.

 

للحديث بقية في الجزء الثاني..

 

د.هاجر خليفه السلطان

جامعة الملك فيصل

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>