نناقش المبادرات، نراجع الخيارات، ونخرج أحيانًا باتفاق سريع على ما يجب فعله. لكن السؤال الأهم هو: هل لدينا فعلًا نفس الفهم للمشكلة التي نحاول حلها؟
خلال إحدى الورش التدريبية التي حضرتها في نهاية هذا الأسبوع حول حل المشكلات والتواصل الفعّال، كان أحد المحاور يركز على أهمية تبني منهجيات وأساليب تفكير منظمة و استراتيجية للعمل والحياة، لا باعتبارها مفاهيم نظرية، بل كأدوات إجرائية تصحبنا في تفاصيل حياتنا اليومية، وقراراتنا الشخصية، وعلاقاتنا مع الآخرين، و تساعدنا على فهم المشكلات وحلها داخل الفرق وبيئات العمل. وخلال النقاش، طُرح سؤال بسيط: ما المشكلة التي نحاول حلها بالضبط؟ وكانت الملاحظة اللافتة أن الإجابات جاءت متعددة رغم أن الجميع كان يناقش المبادرة ذاتها! لم يكن الاختلاف في الحلول، بل في تعريف المشكلة من الأساس.
هذه اللحظة كشفت لي نقطة جوهرية عن طريقة تفاعلنا: إننا في في كثير من الأحيان لا نختلف حول “ما الذي يجب أن نفعله”، بل حول “ما الذي يحدث أصلًا”. ومع ذلك، قد نقفز سريعًا إلى سلم الحلول قبل توحيد هذا الفهم الأساسي. نعم، العديد منا يدرك أن بناء فهم مشترك للمشكلة ليس مهمة سهلة؛ فكلما اتسع نطاق الفريق وتعددت الخبرات والمستويات، ازدادت صعوبة الوصول إلى تعريف موحد للمشكلة. ولهذا، ورغم أن هذه المرحلة قد تبدو مُجهِدة أو مستهلكة للوقت، إلا أنها تظل عاملًا حاسمًا في جودة القرار لاحقًا. من هنا، لا يُنظر إلى الفهم المشترك باعتباره نتيجة تلقائية للنقاش والحوار، بل كعملية معقدة تتطلب وقتًا وجهدًا مقصودًا؛ فالمشكلة في جوهرها ليست في نقص فرص الحوار، بل في الافتراض أن الفهم يُبنى بشكل فردي ثم يُشارك ويُناقش، بينما الواقع يثبت أن الفهم يتشكل وينضج أثناء الحوار.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما يُعرف بمرحلة “تحديد النطاق” (Scoping). ورغم أن هذا المفهوم مألوف، إلا أن ما ميّز طرحه في هذه الورشة هو إعادة تعريفه بصورة أعمق: ليس كخطوة تحليلية فردية، بل كعملية حوارية جماعية يُعاد من خلالها بناء فهم المشكلة عبر تعدد الزوايا؛ من رؤية القائد، و خبرة المنفذ، و عمق المختص. و من منظوري الخاص، فإن هذا الفهم المشترك يتحقق من خلال التوازن بين الاقتراب من التفاصيل لفهم الأسباب والجذور، والابتعاد لرؤية الصورة الكاملة والعلاقات بين العناصر؛ مما يسهم في توحيد الرؤية وتقليل القرارات المتعارضة لاحقًا.
ومع أن هذه الفكرة تبدو واعدة من الناحية النظرية، إلا أننا عند التطبيق قد نصطدم بالطبيعة البشرية وتنازع الأولويات؛ إذ يضعنا الواقع مباشرة أمام تحدٍّ حقيقي لا يكمن فقط في الرغبة في الفهم، بل في ديناميكية العمل الجماعي نفسه؛ حيث تتداخل وجهات النظر، وتختلف الأولويات، وتتباين الافتراضات حول طبيعة المشكلة. لذلك، تتطلب هذه المرحلة إدارة واعية لهذا التعقيد من خلال ‘حوار منظم وتواصل فعال’ يضمن وضوح المعنى، وفي الوقت نفسه يعزز التفكير الاستراتيجي لدى الأفراد؛ بحيث لا يقتصر دورهم على التعبير عن الآراء، بل يمتد إلى تحليل المشكلة، وربط أبعادها المختلفة، و توجيه التفكير الجماعي نحو بناء فهم مشترك.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بزيادة تبادل المعلومات أو كثرة الاجتماعات، بل برفع جودة الحوار وتحسين طريقة التفكير الجماعي، باعتبارها عناصر جوهرية تعمل ضمن منظومة أوسع تشمل وضوح التعريف، وتكامل الأدوار، وآلية اتخاذ القرار. وينعكس ذلك مباشرة على تقليل الجهد الضائع و سوء الفهم، و تحسين جودة القرار، ورفع سرعة التنفيذ.
د. هاجر خليفة السلطان
جامعة الملك فيصل
الحلول تجي من الافكار والابتكارات والحوار
شكرا على الموضوع