في ليلة من ليالي الوطن التي تفوح اعتزازًا وتاريخًا، احتفت إدارة تعليم الأحساء بيوم التأسيس بمدرسة الإمام جعفر الصادق، مقدمة بادرة تعليمية وثقافية حملت في طياتها رسالة عميقة عن الهوية والانتماء، ومواكِبةً التحول الذي تقوده وزارة التعليم نحو مستقبل أكثر وعيًا وابتكارًا، بالنسبة لي أول مره اُدعى لمثل هذا الحفل، مع أني من منسوبي التعليم، إلا أني ذهلت بالتنظيم الرائع والاحترافية في التقديم وتسلسل الفقرات وتنظيم الاركان.
في الحقيقة لم يكن الاحتفال مجرد فعالية عابرة؛ بل كان مساحة تربوية واعية تربط الطلاب بجذور دولتهم، وتُشعرهم بأنهم امتداد طبيعي لمسيرة بدأت قبل ثلاثة قرون، تجسدت قيم الشجاعة والوحدة والبناء في كل ركن من أركان المدرسة، وكأن المكان نفسه يستعيد ذاكرة الوطن ويعيد سردها بلسان الجيل الجديد، واختيار الواحات الفنية والفنون الشعبية كانت ربط بين الماضي والحاضر يليق بتاريخ مملكتنا الحبيبة، وكما تميزت تلك الليلة بحضور لافت لأبناء وبنات الأحساء، الذين أثبتوا مرة أخرى أن هذه الأرض لا تزال تنجب المبدعين، بتنوع مشاركاتهم بين عروض مسرحية تحاكي مراحل التأسيس وتروي قصصًا من تاريخ الدولة السعودية الأولى، وأركان فنية جسدت التراث الأحسائي في تلك الفترة بلمسات حديثة، عكست قدرة الطلاب على الدمج بين الأصالة والابتكار، مبادرات الطلاب والطالبات تناولت التحول الوطني في التعليم، وكيف يمكن للطالب أن يكون عنصرًا فاعلًا في رؤية المملكة 2030.
كان المشهد مدهشاً، طلاب وطالبات يتنافسون في الإبداع، بل في التفوق على بعضهم وتقديم صورة مشرفة لوطنهم ومدرستهم، وما يميز هذه البادرة أنها لم تكن مجرد احتفال تقليدي، وإنما كانت نموذجًا حيًا للتحول الذي تشهده وزارة التعليم، الذي يعزز التعلم النشط بدل التلقين، ويشجع الإبداع والبحث بدل الاكتفاء بالمعرفة الجاهزة، ودمج التقنية بالهوية الوطنية كمشروع واحد.
وما شاهدته حقيقة منح الطالب مساحة للتعبير عن نفسه، ليكون شريك في صناعة الفعالية لا مجرد حضور فيها، إن هذا التحول لم يظهر في الأنشطة فقط، بل في طريقة التفكير والثقة في النفس، وفي القدرة على تقديم محتوى يعكس وعيًا وعمقًا يتجاوز المدى.
من وجهة نظري ليلة التأسيس في مدرسة الإمام جعفر الصادق كانت أكثر من احتفال، واقعيًا كان درسًا في الانتماء، وفي الإبداع، وفي فهم التحول الوطني الذي تعيشه السعودية أثبت بنين وبنات الأحساء أنهم قادرون على حمل راية المستقبل، وأن التعليم حين يُمنح مساحة للابتكار يصبح قوة تصنع الفرق.
وهذه البادرة لم تُضِئ المدرسة فحسب، بل أضاءت قلوب الحاضرين، وأكدت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من أبنائنا، وأن الوطن ينهض حين ينهض أبناؤه بالفكر والعمل والإبداع.
باختصار…. “ليلة ستبقى في الذاكرة”
الكاتب/ عبدالله الزبده