نظمت جمعية الثقافة والفنون بالأحساء ورشة عمل متخصصة بعنوان «الرسم بالحرق على الجلود الطبيعية»، امتدت لخمسة أيام بمشاركة 21 فنانة تشكيلية، واختُتمت بمعرضٍ جاء نتاجًا إبداعيًا لتلك التجربة. ويُعد هذا الفن من الاتجاهات التشكيلية العريقة التي تدمج بين أصالة الخامات الطبيعية ودقة المهارة اليدوية لإنتاج قطع فنية مستدامة تحاكي التراث والمعاصرة.
مراحل تجهيز الجلد
أوضحت الفنانة التشكيلية أنوار العبد رب النبي أن عملية تهيئة الجلود للرسم تمر بمرحلة إعدادٍ منهجية تشتمل على ثلاث خطوات محورية؛ تبدأ بالمرحلة التحضيرية التي تُعنى بتنقية المادة الخام عبر إزالة الشعر والشوائب الشحمية، يليها تقسيم الجلد إلى طبقات لتقليل سماكته وتعزيز مرونته بما يتناسب مع متطلبات الطي والتشكيل الفني.
وتنتقل المعالجة بعد ذلك إلى مرحلة الدباغة، وهي الركيزة الأساسية لتحويل الجلد من مادة عضوية قابلة للتحلل إلى مادة مستقرة ومستدامة، وذلك عبر غمرها في محلول مائي ملحي. وتُصنَّف الدباغة إلى مسارين: الدباغة الطبيعية التي تعتمد على الزيوت والأحماض المستخلصة من النباتات، ودباغة الكروم التي تستخدم مركبات كيميائية وأحماضًا صناعية.
وتُختتم العملية بمرحلة التشطيب النهائي، حيث يخضع الجلد لعمليات تجفيف مدروسة وصنفرة دقيقة لتسوية السطح، وصولًا إلى الملمس المثالي الذي يضمن استجابة الجلد لتقنيات الرسم والحرق بدقة عالية.
مخرجات الورشة التدريبية
وفي سياق متصل، أكدت المشاركة في الورشة الفنانة التشكيلية مها المحارف أن الدورة ركزت في مخرجاتها على التراث الأحسائي العريق بشكلٍ متميز، حيث تجسدت المخرجات في صور ورسومات تعكس البيئة الأحسائية الأصيلة، والتراث العمراني القديم، والحرف اليدوية المتعددة في المنطقة.
وأوضحت المحارف أن الفنان التشكيلي يستطيع تحويل هذه المخرجات الإبداعية إلى منتجات قابلة للتسويق والبيع والربح؛ كونها منتجًا تراثيًا فريدًا يصلح لتكوين مقتنيات يُستفاد منها، كلوحات فنية قيّمة تُزيّن المنازل، أو منتجات جلدية كالحقائب النسائية والأحذية، مشيرةً إلى أن المتدربات يمكنهن الاستفادة من تقنيات الحرق لإضفاء الجمال والابتكار على الأدوات والمنتجات الحياتية.
الجانب التقني وأدوات الحرق
وفيما يخص الجانب التقني، أوضحت الفنانة التشكيلية إيمان المبرزي أن الرسم بالحرق هو عملية نقش تعتمد على استخدام «الكاوية الحرارية» كأداة للرسم على أسطح الجلود الطبيعية. وتتطلب هذه التقنية تمرير رأس الكاوية بلطفٍ وانسيابية لإحداث أثر لوني غامق يُشكّل المعالم المطلوبة، مع ضرورة التحكم الدقيق في درجات الحرارة وسرعة حركة اليد؛ للحصول على تدرجات لونية متفاوتة تمنح العمل عمقًا وجمالًا، دون التسبب في إتلاف الألياف الرقيقة للجلد.
وحددت المبرزي الأدوات الأساسية المستخدمة في هذا الفن، وهي: كاوية الحرق، والجلد الطبيعي، وقلم الرصاص للرسم الأولي، وقطعة قماش مبللة، وسطح عمل ثابت.
آلية التنفيذ
وعن طريقة التنفيذ، بيّنت أن العمل يبدأ بتنظيف الجلد وتركه حتى يجف تمامًا، ثم يُرسم التصميم بخطوط خفيفة بقلم الرصاص، تليها تسخين الكاوية على درجة حرارة متوسطة، وأخيرًا تمريرها بلطف على الخطوط المرسومة دون ضغط زائد حتى يبرز النقش المطلوب.
تحديات الحرق وجودة الخام
واستعرضت المبرزي تجربتها مع التحديات التقنية التي واجهتها، مؤكدةً أن آلية العمل بالكاوية تختلف جذريًا عن القلم التقليدي؛ ففي فن الحرق يتوجب على الفنان رفع يده عن السطح الجلدي فور انتهاء الخط وتكرار الحركة لتكملته، تجنبًا لاحتراق المادة وظهور بقع سوداء ناتجة عن التوقف المفاجئ. كما أشارت إلى أن درجة الضغط وتخفيفه باليد هي ما يحدد تدرج الألوان، وهي مهارة تطلبت ممارسة دقيقة للتحكم في مستويات الظل والضوء.
وأضافت أن الرسم بالحرق لا يؤثر على سماكة الجلد نظرًا لقدرة الفنان على التحكم بجهد الجهاز؛ حيث يتم تخفيف الضغط للحصول على درجات فاتحة، وزيادته عند الحاجة لدرجات أكثر قتامة وعمقًا.
جلود مستخلصة من الإبل
وعن المواد المستخدمة، أكدت المبرزي أن جميع الجلود المعروضة هي جلود محلية مستخلصة من الإبل، مشيرةً إلى أن الجلود الطبيعية بمختلف أنواعها هي الخيار الوحيد والأمثل للرسم، في حين يُستبعد الجلد الصناعي تمامًا لكونه مكوّنًا من البلاستيك الذي يذوب بمجرد ملامسة الكاوية لسطحه.
تعزيز الشراكات الثقافية
من جانبه، أكد مدير جمعية الثقافة والفنون بالأحساء يوسف الخميس أن هذا المعرض يأتي امتدادًا للبرامج التدريبية التي تتبناها الجمعية بهدف تنمية المهارات الفنية وصقل المواهب الإبداعية، بالشراكة مع وزارة التعليم لرسم خطط ثقافية طموحة، من أبرزها مبادرة «رحلة الفن» في مرحلتها الثانية، والتي تشهد مشاركة واسعة من عدة مناطق تشمل المدينة المنورة، وحائل، والباحة، بالإضافة إلى محافظة الأحساء.
وأوضح الخميس أن الجمعية قدمت عددًا من الفعاليات المتخصصة، حيث نظمت لجنة المسرح والفنون الأدائية ورشة عمل بعنوان «الشخصية المسرحية وأبعادها»، فيما قدمت لجنة الفنون البصرية ورشة «الرسم بالحرق على الجلود الطبيعية»، واختتم تصريحه لـ «الواحة نيوز» بالتأكيد على استمرار الجمعية في تعزيز وتطوير العمل المشترك مع مختلف القطاعات لخدمة المشهد الثقافي.
