يأتي الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس من كل عام ليؤكد تقدير المجتمعات لدور المرأة وإسهاماتها في مختلف مجالات الحياة، ويبرز مكانتها بوصفها شريكًا أساسياً في التنمية وبناء الحضارات، وعند التأمل في التاريخ الإسلامي والعربي نجد أن دور المرأة لم يكن هامشيًا أو ثانويًا بل كان دورًا متجذرًا في بناء المجتمع وصناعة الاستقرار والمشاركة في اللحظات المفصلية التي مرت بها الأمم.
لقد كرم الإسلام المرأة منذ بداياته في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث أرسى مبادئ العدل والكرامة الإنسانية، ومنح المرأة حقوقها في التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية، فكانت المرأة المسلمة حاضرة في الحياة العلمية والدينية وبرزت في رواية الحديث وتعليم الفقه، كما كان لها دور إنساني واجتماعي مهم في مساندة المجتمع، خصوصًا في أوقات الشدائد وقد سجل التاريخ نماذج لمشاركات النساء في ميادين الغزوات سواء في مداواة الجرحى أو تقديم الدعم والإغاثة، وهو ما يعكس روح المسؤولية والمشاركة المجتمعية التي حث عليها الإسلام.
ومع تطور المجتمعات الإسلامية والعربية ظل حضور المرأة مؤثرًا في استقرار الأسرة وتماسك المجتمع، وهو ما تجلى أيضًا في مراحل التاريخ السعودي، ففي مرحلة الدولة السعودية الثانية كان للمرأة دور مهم في الحفاظ على القيم الاجتماعية والدينية داخل الأسرة وفي تربية الأجيال التي أسهمت في استمرار المجتمع وتماسكه رغم التحديات السياسية التي مرت بها تلك المرحلة.
وعند قيام الدولة السعودية الثالثة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بدأت الدولة الحديثة تتشكل وكان للمرأة حضورها في المجتمع من خلال دورها التربوي والاجتماعي، حيث أسهمت في تنشئة أجيال شاركت في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز استقرارها، ومع تطور المملكة وتوسع مؤسساتها التعليمية والاجتماعية، بدأت فرص المرأة تتسع تدريجيًا في مجالات التعليم والعمل والخدمة المجتمعية.
وفي العصر الحديث شهدت المملكة العربية السعودية مرحلة نوعية في تمكين المرأة خلال عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وبدعم وتوجيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حيث فتحت روية المملكة ٢٠٣٠ آفاقًا واسعة أمام المرأة للمشاركة في التنمية الوطنية وقد انعكس ذلك في زيادة حضور المرأة في سوق العمل، وتوليها العديد من المناصب القيادية في القطاعات الحكومية والخاصة، إضافة إلى تمثيلها للمملكة في المؤتمرات الدولية والمنتديات السياسية والثقافية، وهو ما يعكس ثقة القيادة بقدرات المرأة السعودية وكفاءتها.
إن مسيرة المرأة في المجتمع السعودي امتداد لقيم أصيلة رسخها الإسلام، وتجربة تاريخية أثبتت قدرتها على المشاركة في بناء المجتمع، وصولًا إلى مرحلة التمكين الحديثة التي تشهدها المملكة اليوم، وبين الماضي والحاضر تتجلى صورة المرأة السعودية بوصفها عنصرًا فاعلًا في التنمية، وشريكًا في صناعة المستقبل، وحاملةً لرسالة وطنها في مختلف المحافل المحلية والدولية لتبقى مكانتها راسخة في مسيرة النهضة التي تعيشها المملكة.