أكدت الكاتبة الصحافية نجلاء الربيعان أن الهوية الأسلوبية لا تُولد في لحظة، بل هي نتاج تراكمات تبدأ حين يتوقف الكاتب عن محاكاة الآخرين ويشرع في الإنصات لصوته الداخلي. جاء ذلك تعقيبًا على ورشة عمل قدمتها بعنوان “الإبداع في الكتابة الصحافية: أسلوب ولغة رأي”، ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض جدة للكتاب 2025.
وشددت الربيعان على أن الانعتاق من التقليد يولد للكاتب إيقاعًا خاصًا ومزاجًا متفردًا في رؤية الأشياء، مقدمة نصيحة للكتاب المبتدئين: بكثرة الكتابة والإفراط في الحذف، ومراقبة الكلمات والجمل التي تشبه طابعهم؛ ليتسنى لهم اكتشاف “نبرتهم” الخاصة التي تشبه بصمة الإصبع، وتجعل القارئ يميزهم من السطور الأولى وسط الزخم الهائل من المحتوى الرقمي.
فخ الكليشيهات وهندسة الرأي
وحذرت الربيعان من “القوالب المستهلكة” والتعابير الجاهزة، التي اعتبرتها فخًا يتطلب تجاوزه بالعودة إلى مبدأ “الفكرة قبل العبارة”، مؤكدة أن اللغة هي طريقة تفكير، وكلما فكر الكاتب بعمق، كتب بعمق.
وفيما يخص الموازنة بين الذاتية والموضوعية، طرحت الربيعان “المعادلة الذهبية” لكتابة مقال رأي رصين، وهي: (رأي شخصي + دليل مهني)، قائلة: “لا أؤمن بالحياد التام، لكني أؤمن بالمنطق. اكتب رأيك، لكن ضعه أمام مرآة الحقائق، ولا تفرض على القارئ قناعة، بل افتح له نافذة.”
قوة الحجة والذكاء الاصطناعي
وفي عصر الاستقطاب الرقمي، أوضحت أن الكاتب ليس مسؤولًا عن إقناع القارئ بقدر ما هو مطالب بتقديم حجة منطقية تُبنى على تعريف المشكلة بدقة، وعرض الأدلة دون انتقاء، وتقديم استنتاج متزن، مشيرة إلى أن “الكاتب الذكي هو من يكتب ليكسب العقول، لا ليربح المعارك.”
وعن التحديات التقنية، لفتت الربيعان، في خضم الطوفان التقني للذكاء الاصطناعي، إلى أن الآلة قد تحاكي اللغة لكنها تعجز عن محاكاة “النية” والخبرة الشعورية الإنسانية المكونة من الذاكرة والحدس والمشاعر، وهي عناصر لا يمكن برمجتها.
التنوع الثقافي وتحدي الإيجاز
واختتمت الكاتبة تصريحاتها لـ”الواحة نيوز” بالحديث عن أهمية “القراءة الجانبية” في الأدب والفلسفة والسير، معتبرة إياها “الوقود اليومي” الذي يمنح المقال الصحفي عمقًا وإنسانية. كما أكدت أن “الإيجاز”، الذي تفرضه منصات التواصل الاجتماعي، هو تحدٍّ إبداعي يميز الكُتّاب المتمكنين، موضحة أن “من يتقن الإيجاز، يتقن فن الكتابة كله.”