احدث الأخبار

الباحث العفالق يروي حكاية المكان

كيف صاغت «فلسفة الماء» هوية الإنسان الأحسائي وصنعت أعظم نماذج التعايش؟

التعليقات: 0
كيف صاغت «فلسفة الماء» هوية الإنسان الأحسائي وصنعت أعظم نماذج التعايش؟
https://wahhnews.com/?p=94309
كيف صاغت «فلسفة الماء» هوية الإنسان الأحسائي وصنعت أعظم نماذج التعايش؟
جاسم العبود

أوضح الباحث في التاريخ الشمولي للجزيرة العربية، الدكتور عبداللطيف العفالق، أن حكاية الإنسان مع الاستقرار بدأت باكتشاف الزراعة لتأمين موارده المعيشية، وهو ما اضطره إلى البحث عن موارد المياه والاستقرار، مشيرًا إلى أن هذا التحول كان السبب الجوهري في تغيير نمط حياة البشر وطريقة معيشتهم جذريًا.

جاء ذلك خلال أمسية بعنوان «الأحساء وحكاية المكان»، نظمتها جمعية محتوى للإعلام الرقمي، حيث استعرض العفالق رحلة الإنسان في الجزيرة العربية، مبينًا أنه عندما تصحرت المناطق التي كان يعيش فيها سابقًا كراعٍ وصياد يعتمد على ثمار الطبيعة، اضطر إلى ابتكار طريقة البذور والزراعة لإكثارها، وهي عملية لا تتم إلا بالقرب من منابع المياه، مما جعل البحث عن المناطق الغنية بالمياه محركًا أساسيًا للهجرة والاستقرار لبدء حياة جديدة.

جيولوجيا الجزيرة: «الدرع» مقابل «الرف»

وشدد العفالق على أنه لا يمكن فهم حكاية الإنسان إلا بفهم بيئته جيولوجيًا، موضحًا أن «الدرع العربي» (الممتد من هضبة نجد باتجاه الغرب وصولًا إلى البحر الأحمر) هو منطقة صخرية غنية بالمعادن، كانت في العصور المطيرة تنحدر أمطارها ناحية الشرق باتجاه الرف العربي، لكن آبار واحاته اليوم محدودة بالاعتماد على الأمطار والتغذية السطحية المباشرة.

أما بالاتجاه شرقًا، وتحديدًا من مدينة الخرج وصولًا إلى الخليج العربي، فيمتد «الرف العربي»، وهي منطقة رسوبية تتغذى مائيًا من الأمطار الساقطة على الدرع العربي في نجد وعسير واليمن وعُمان، حيث تغذي هذه الأمطار الربع الخالي باعتباره جزءًا من هذا الرف المليء بالأخاديد. وأكد العفالق أن الأحساء تقع في الجزء الشرقي من هذا الرف، وهي المنطقة الأكثر انخفاضًا، حيث يكون انحدار المياه فيها هو الأقوى، وبسبب تغذية طبقاتها عبر ملايين السنين، تولد «دفع هيدروليكي» تسبب في تفجر العيون بالأحساء بشكل استثنائي.

دراسة «واكوتي» وعين الخدود

وكشف العفالق عن دراسة لشركة «واكوتي» النمساوية (التي صممت مشاريع الري في الأحساء)، أكدت أن إنتاج «عين الخدود» وحدها – وهي واحدة من عشرات العيون الكبرى الفوارة – كان قادرًا على تغطية احتياجات مدن الرياض وجدة والدمام مجتمعة من المياه، مشيرًا إلى أن هذا الثراء المائي كان السبب الرئيسي للهجرة من الدرع العربي نحو الواحة.

كما أشار الباحث إلى أن قرب الأحساء من البحر جعل منها واحة ضخمة جدًا ذات إنتاج وفير، حيث كانت قبل عصر النفط تصدر أكثر من 60% من تمورها عبر «ميناء العقير»، الذي استمد أهميته من وجود ما يمكن مقايضته مع الآخرين، مما جذب الحضارات القريبة مثل فارس والسند والهند والعراق للمقايضة في أسواق الأحساء.

التنوع الديموغرافي و«ليونة» اللهجات

وبيّن العفالق أن الواحة استطاعت عبر التاريخ استيعاب الوافدين من الصحارى ومن واحات الدرع العربي المحدودة الموارد، هربًا من الجوع، وأعادت تدويرهم داخل أنشطتها الزراعية والصناعية والخدمية. وأوضح أن هذا التنوع أوجد تجمعات سكانية بلهجات متباينة تعكس أوطانهم الأصلية، حيث حافظت كل قبيلة أو أسرة على لهجتها (كالشنشنة والكسكسة)، لكن بيئة الواحة المتميزة بالوفرة واللين أثرت في طباع السكان عبر آلاف السنين، فجعلت لهجاتهم أكثر ليونة واسترخاءً مقارنة بحدة لهجات بيئة الدرع العربي.

وفرّق العفالق بين سكان الهفوف والمبرز، الذين تميل لغتهم إلى «البيضاء» والمخففة بسبب الاحتكاك التجاري والإداري في الأسواق مثل «القيصرية»، وبين القرى الشمالية (كالعيون والمراح والشقيق) والشرقية (كالطرف والجشة)، التي ظلت متمسكة ببعض سمات الحدة والبداوة. كما أشار إلى الهجر الجنوبية على طريق قطر (كحرض وسلوى ويبرين)، التي حافظت على مكونها القبلي، وقامت بدور لوجستي حيوي عبر قوافل الإبل لنقل البضائع بين الأحساء والعقير ونجد والعراق.

الأوقاف وسيكولوجية الطمأنينة

وفي محور المسؤولية الاجتماعية، أشار العفالق إلى أن تجار الأحساء سبقوا المفهوم الغربي للأوقاف، حيث أوجدوا مؤسسات وقفية (مزارع مخصصة للمدارس والمساجد والأربطة العلمية) حافظت على استدامة العلم والهوية الأحسائية، وتجاوزت تقلبات الحكومات المركزية بفضل الاستثمار الرشيد للموارد.

وحول السمات الشخصية، قارن العفالق بين إنسان مناطق الشح، الذي يعيش قلقًا وخوفًا من نفاد المياه، وبين إنسان الأحساء الذي يعيش طمأنينة الوفرة، مما أورثه الهدوء والمسالمة والثقة العالية بالآخرين. كما وصفه بالشخصية الصبورة التي تخطط للمدى البعيد، وهو ما يتجلى في رعاية النخلة التي تعمّر طويلًا، وفي النبوغ التاريخي لعلماء الفلك الأحسائيين الذين ارتبطت علومهم بمواقيت الزراعة والطوالع.

من «المحش» إلى «أرامكو»: التحول الكبير

وأوضح الدكتور العفالق أن ظهور النفط غيّر البنية الاجتماعية والاقتصادية، فالفلاحون الذين كانوا يعملون من الفجر حتى المغرب مقابل «ثلث ريال»، وجدوا في شركة أرامكو فرصة للعمل ثماني ساعات مقابل «ريال واحد». وأشار إلى أن هذا التحول دفع العمال إلى ترك أدواتهم الزراعية من «محاش وصخاخين»، وشدّ الرحال إلى مدينة الظهران للالتحاق بالشركة، مما أدى إلى تبدل المراكز الاجتماعية وإعادة تشكيل الهرم الطبقي في الواحة.

رؤية 2030 واستدامة الواحة

واختتم الدكتور عبداللطيف العفالق حديثه بالتأكيد على أن الأحساء اليوم، وفي ظل رؤية المملكة 2030، تضمن استدامتها عبر مصادر مياه بديلة (المياه المعالجة القادمة من مدينة الخبر)، مما يدعم بقاء الواحة رغم انخفاض المنسوب الطبيعي. وشدد على أن الإنسان الأحسائي، بنظامه وجده واجتهاده، يظل هو «المنتج الأقوى» وأحد أهم جذور القوة السعودية، مؤكدًا أن عظمة المملكة تأتي دومًا من إنسانها.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>