بيّن المهندس فهد اللويحان، المعماري والمخطط الحضري، أن ميثاق الملك سلمان العمراني قدّم تحولًا جوهريًا في فهم الهوية المعمارية، إذ لم يتعامل معها بوصفها مجموعة عناصر شكلية أو رموز تاريخية جاهزة لإعادة الإنتاج، بل بوصفها منظومة قيم ومبادئ نابعة من الإنسان والمكان والزمان. وركّز الميثاق على مفاهيم مثل احترام السياق العمراني، والانسجام مع المناخ، وتعزيز الخصوصية، وإعلاء قيمة الفضاء العام، وربط العمارة بالثقافة المحلية دون عزلها عن المعاصرة. هذا الطرح حرّر المعماري من أسر التقليد، ومنحه إطارًا فكريًا يستلهم من العمارة السعودية جذورها الوظيفية والبيئية والاجتماعية، لا أشكالها فقط، ما يسمح بإنتاج عمارة حديثة تحمل هوية وطنية أصيلة وقابلة للتطور في آنٍ واحد.
تطويع الخرسانة والزجاج
وأضاف اللويحان أن المواد الحديثة مثل الخرسانة والزجاج لا تتعارض بطبيعتها مع الهوية المحلية، بل تكمن الإشكالية في طريقة استخدامها. فاليوم تتيح التقنيات المتقدمة معالجة هذه المواد من حيث النسيج السطحي، واللون، ودرجات الانعكاس، والتكوين الكتلي، بما يستحضر القيم الحسية والبيئية للمواد الطبيعية كالطين والحجر. لكن الأهم من الإيحاء البصري هو استلهام الأداء الوظيفي لتلك المواد، مثل العزل الحراري، والكتلة الحرارية، والظل، والتدرج بين الداخل والخارج. وعندما تُوظَّف الخرسانة والزجاج ضمن نظام تصميمي واعٍ بالمناخ والإنسان، يمكن أن تحقق كفاءة أعلى في الطاقة والمتانة، مع المحافظة على روح المكان ودفئه الإنساني.
دور المشاريع الكبرى في ذائقة المواطن
وتلعب المشاريع الوطنية الكبرى دورًا ثقافيًا يتجاوز كونها مشاريع عمرانية، إذ تعيد تشكيل الوعي الجمعي والذائقة البصرية للمجتمع. فمشاريع مثل «المربع الجديد» و«بوابة الدرعية» تقدم نماذج ملموسة لعمارة سعودية معاصرة تُوازن بين الحداثة والهوية، وتُظهر أن الجمال لا يرتبط بالاستيراد أو التقليد، بل بالانسجام مع المكان. ومع تكرار مشاهدة هذه النماذج والتفاعل معها، سيبدأ المواطن في إعادة تقييم مفاهيمه حول المسكن، من حيث البساطة، والخصوصية، واستخدام الفضاءات الخارجية، والتعامل مع الواجهة والظل. هذا التحول سيؤثر تدريجيًا في خيارات الأفراد في منازلهم الخاصة، ليصبحوا أكثر وعيًا بالقيمة المعمارية لا بالمظهر فقط.
الهوية السعودية حلٌّ للمشكلات البيئية
ويرى اللويحان أن الهوية السعودية في جوهرها ليست نتاج ترف جمالي، بل نتيجة تفاعل طويل بين الإنسان وبيئته القاسية. فالعمارة التقليدية في مختلف مناطق المملكة طوّرت حلولًا ذكية لمواجهة الحرارة والرياح ومتطلبات الخصوصية، مثل الأفنية الداخلية، وتوجيه المباني، وسماكة الجدران، والفتحات المدروسة. واستحضار هذه المبادئ اليوم باستخدام تقنيات حديثة يجعل الهوية أداة فاعلة لمعالجة التحديات البيئية وتقليل الاعتماد على الطاقة. وبهذا المعنى، تصبح الهوية حلًا عمليًا ومستدامًا يعزز جودة الحياة ويخفض الأثر البيئي، بدلًا من أن تكون مجرد قشرة جمالية تُضاف إلى مبانٍ لا تراعي المناخ أو الإنسان.
العصر الذهبي للعمارة السعودية
ويعتبر اللويحان المرحلة الحالية مرحلة ذهبية أو تأسيسية في مسار العمارة السعودية، ليس فقط بسبب حجم المشاريع غير المسبوق، بل لوجود رؤية واضحة، وإرادة مؤسسية، وأطر فكرية مثل ميثاق الملك سلمان العمراني، إضافة إلى تنامي الوعي المجتمعي بأهمية الهوية والاستدامة. وما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من الكم إلى النوع، ومن استيراد النماذج إلى إنتاج خطاب معماري محلي معاصر. فنحن أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة المشهد العمراني السعودي بطريقة تعكس ثقافتنا وتستجيب لتحديات المستقبل، وهو ما يجعل هذه المرحلة نقطة تحول حقيقية في تاريخ العمارة الوطنية.
وجاءت هذه الرؤى تعقيبًا على ندوة حوارية قدّمها المهندس فهد اللويحان بعنوان «ملامح الهوية في العمارة السعودية المعاصرة»، ضمن البرنامج الثقافي لـمعرض جدة للكتاب 2025.