تناول الدكتور محمد البشير، أكاديمي وناقد وباحث في المجال الثقافي، مفهوم السرد المتحفي بوصفه أحد أهم الأدوات الحديثة في بناء تجربة الزائر داخل المعارض والمتاحف، في ورشة عمل بعنوان «السرد المتحفي: كتابة المحتوى للمعارض»، ضمن البرنامج الثقافي لمعرض جدة للكتاب 2025.
المتحف فضاء لصياغة المعنى
واستهل البشير الورشة بطرح تساؤل جوهري حول الفرق بين عرض المعلومة وصناعة القصة، مؤكدًا أن المتحف المعاصر لم يعد مساحة لعرض القطع فقط، بل فضاءً لصياغة المعنى، وتحويل المقتنيات إلى حكايات حيّة تترك أثرًا طويل المدى في ذاكرة الزائر.
النصوص وتجربة الزائر
وسلّطت الورشة الضوء على أهمية النصوص المتحفية في تشكيل تجربة الزائر، بدءًا من نصوص الجدران (Wall Text)، ومرورًا بالتسميات التعريفية (Object Labels)، وصولًا إلى السرد المصاحب للقطعة والمسار العام للمعرض، موضحًا أن تنوّع النصوص وتكاملها يسهم في بناء تجربة سردية متماسكة.
خصائص النصوص
كما تناول البشير خصائص النص المتحفي الناجح، مشيرًا إلى ضرورة الجمع بين الوضوح والإيجاز، والابتعاد عن اللغة الأكاديمية الثقيلة، مع الحفاظ على الدقة المعلوماتية وإضافة لمسة قصصية تُقرّب القطعة من الزائر. وأكّد أن السرد المتحفي ليس شرحًا مطوّلًا، بل اختيارًا ذكيًا لما يُقال، وما يُترك للتأمل.
الأخطاء الشائعة
وتطرّق البشير إلى متطلبات الممارسات الفضلى لكتابة المحتوى المتحفي، والتي تشمل تجنّب الأخطاء الشائعة المتمثلة في:
-
الحشو والتطويل الذي يشتّت انتباه الزائر.
-
استخدام اللغة المعقّدة التي تخلق حاجزًا أمام الفهم الشامل.
-
غياب الخط السردي الواضح الذي يفكّك ترابط التجربة.
-
عدم انسجام النص المكتوب مع المقتنيات المعروضة بشكل مباشر.
هندسة المشاعر
ولتحويل السرد المتحفي من مجرد نقل معلومات إلى تجربة وجدانية تدوم طويلًا، يجب التركيز على هندسة المشاعر وبناء لحظات فارقة داخل المسار المتحفي، وذلك من خلال العناصر التالية:
-
نقاط الدهشة: هي اللحظات التي تخطف أنفاس الزائر وتكسر رتابة المشي.
-
نقاط التوقف: ليست كل المساحات للعرض؛ إذ يحتاج الزائر إلى مساحات للهضم الذهني.
-
الجملة التي تبقى في الذاكرة: في نهاية الزيارة، لن يتذكر الزائر التواريخ، بل سيتذكر «جملة» لخصت الشعور.
-
الخاتمة التي تعيدك، ولو بعد حين: الخاتمة هي الأثر المتبقي الذي يجعل المتحف يسكن الزائر بعد خروجه.
عرض نماذج عالمية بارزة
وشهدت الورشة عرض نماذج عالمية بارزة من متاحف وأعمال فنية معاصرة، من بينها أعمال لكلود مونيه، وتجارب مفاهيمية تعتمد على الغياب والصمت بوصفهما جزءًا من السرد، إضافة إلى العمل الشهير My Bed للفنانة تريسي إمين، الذي قُدّم كنموذج على قدرة السرد المتحفي على تحويل التجربة الشخصية والهشاشة الإنسانية إلى خطاب فني مؤثر.
الجانب التطبيقي
ولم تخلُ الورشة من الجانب التطبيقي، حيث شارك الحضور في تمارين تفاعلية طُلب منهم خلالها اختيار قطعة شخصية وكتابتها كنص متحفي، في محاولة لاكتشاف كيف يمكن للقصة أن تمنح الأشياء العادية قيمة استثنائية حين تُروى بصدق.
السرد المتحفي مهارة تقنية وثقافية وأخلاقية
واختُتمت الورشة بالتأكيد على أن السرد المتحفي ليس مهارة تقنية فحسب، بل ممارسة ثقافية وأخلاقية تحترم ذكاء الزائر، وتمنحه مساحة للتأويل والتفكير، وتدعوه لأن يكون شريكًا في صناعة المعنى لا متلقيًا سلبيًا.
