احدث الأخبار

د. هند الرقيطي لـ “الواحة نيوز”: العلاج بالألوان علم متجذر وليس “تريند”.. والفنان لن يتحول إلى طبيب نفسي بالاجتهاد 

التعليقات: 0
د. هند الرقيطي لـ “الواحة نيوز”: العلاج بالألوان علم متجذر وليس “تريند”.. والفنان لن يتحول إلى طبيب نفسي بالاجتهاد 
https://wahhnews.com/?p=106343
د. هند الرقيطي لـ “الواحة نيوز”: العلاج بالألوان علم متجذر وليس “تريند”.. والفنان لن يتحول إلى طبيب نفسي بالاجتهاد 
جاسم العبود

– الوعي المجتمعي في المملكة كسر “المنطقة المظلمة” للمرض النفسي، والأسر بدأت بهندسة ألوان منازلها لدعم أبنائها

– الأخصائية والفنانة تفكك ظاهرة العلاج بالفن: نمرر المريض بممرات من التأمل والتهيئة لاستنطاق مكنوناته

– عياداتنا ومراكزنا الصحية لا تختار ألوان حوائطها عبثًا.. والأبيض والسماوي نتاج بحوث سريرية مدروسة

تشهد الساحة الثقافية والاجتماعية مؤخرًا تناميًا ملحوظًا لظاهرة “العلاج النفسي بالألوان” وتوظيفها من قِبل الفنانين التشكيليين، مما أثار تساؤلاتٍ عدة حول الخيط الفاصل بين الإبداع الفني العفوي والممارسة الطبية المقننة.

ونظرًا لما تمتلكه الباحثة الاجتماعية، وأخصائية الصحة النفسية، والفنانة التشكيلية الدكتورة هند بنت عبدالعزيز الرقيطي من خلفية علمية وعيادية فريدة؛ تجمع بين البحث الاجتماعي، والصحة النفسية، والحس الفني، يسعد صحيفة “الواحة نيوز” استضافتها في هذا التحقيق الموسع؛ لتفكيك هذه الظاهرة وتقديم قراءة علمية واعية للرأي العام.

أولًا: نشأة الظاهرة ومفهومها

 كيف تقرئين – بصفتكِ فنانة تشكيلية وأخصائية نفسية – هذا الصعود والزخم الكبير لظاهرة “العلاج بالألوان” في مجتمعنا مؤخرًا؟

* في الواقع، هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل ضربت جذورها في عمق التاريخ، وإن كانت قد اتخذت مؤخرًا منحًى مختلفًا. قديمًا، اعتمد الإنسان على الطبيعة المحيطة به في الاستشفاء؛ كاستغلال أشعة الشمس، وسحق بعض المعادن والأشجار الملونة واستخدامها في “سحب الطاقات السلبية” وبث الحياة في الأجساد المتعبة، فضلًا عن استخدام الروائح النافذة لتحفيز الحواس.

لقد استُخدم تسليط أشعة الشمس كعنصر مساند لتهدئة المرضى أو تحفيزهم، وهو ما ناقشه الطبيب والفيلسوف ابن سينا في كتابه الشهير (القانون في الطب)، حيث تحدث عن دور الألوان الحمراء في تحفيز الطاقة، والألوان الزرقاء في تحقيق التهدئة والاسترخاء. ولم تتوقف هذه الأبحاث عند البشر فقط؛ بل امتدت لتشمل الكائنات الحية الأخرى، حتى ظهر في القرن العشرين عالم هندي قام بقياس تأثير “اللون الطيفي” في علاج بعض الحالات التي تعاني من أعراض نفسية محددة، وأثبت ذلك علميًا.

والتفسير العلمي لذلك يعود إلى أن قرنية العين تستقطب الأشعة المنعكسة وتحتفظ بها، لكن الاستجابة السلوكية أو الفعل الصادر عن المريض يتحدد بناءً على ما يستقر في منطقة “الراحة” أو “الإثارة” في الدماغ جراء تأثير هذا اللون. ومن هذا المنطلق، فإن “العلاج بالفن” كمسمى بحثي ليس جديدًا، لكن الأفكار والتطبيقات المعاصرة التي نشهدها حاليًا هي التي تبدو مختلفة؛ فالعالم مليء بالمستجدات التي تفرض أساليب تطبيقية متجددة.

ثانيًا: جدار الحماية بين “المعالج” و”الفنان”

ما هو الخيط الفاصل والدقيق بين استخدام اللون كعاطفة تشكيلية وعفوية يمارسها الفنان خلف مرسمه وبين توظيفه كأداة علاجية مُمنهجة ومدروسة طبيًا ونفسيًا؟

* يفيض العالم اليوم بالمستجدات على المستويين العلمي والمهني، ونشهد مزيجًا متسارعًا من الأفكار والنظريات. أحيانًا، قد يؤدي الربط العشوائي بين هذه المجالات إلى مناطق شائكة وغير مجدية، وفي أحيان أخرى يثبت العكس تمامًا بظهور فاعلية حقيقية، وهذا التداخل هو ما أعاد ظاهرة “العلاج بالفن” إلى ساحة التداول والنقاش العلمي مجددًا.

إن توظيف اللون في العلاج النفسي يبدأ أولًا من تهيئة المكان والأدوات المساندة لتكوين “منطقة راحة” للحالة؛ هذا من الناحية العلاجية. أما من منظور الفنان التشكيلي، فالأمر يختلف؛ إذ يحدد الفنان ملامح شخصيته واهتماماته اللونية عبر التطبيق والممارسة ليحقق ذاته من خلال الرسم، ولا يمارس دور المعالج لحالات نفسية. ومن هنا أؤكد على قاعدة هامة: ليس كل فنان معالجًا نفسيًا، وليس كل معالج نفسي فنانًا.

فالفنان غير المختص يمثل ذاته فقط من خلال لوحته، وقد تظهر معه نتائج عفوية مع الممارسة اللونية تجذب أو تنفر متذوقي الفن، لكنها لا ترتقي لتكون بروتوكولًا علاجيًا طالما افتقدت للمرجعية الأكاديمية والترخيص الطبي. “العلاج بالفن” تخصص دقيق يتطلب دراسة أكاديمية ومهنية متخصصة ومستمرة، ويلتزم بممارسته ممارس مرخص مهنيًا وطبيًا من الجهات الرسمية، ولا يمكن إخضاعه للاجتهادات الشخصية إطلاقًا.

ثالثًا: البُعد النفسي والعيادي وكواليس الجلسات

  ما هي الحالات والاضطرابات النفسية التي ثبت نجاح “العلاج بالفن والألوان” في التعامل معها؟

* من خلال البحث الإكلينيكي والممارسة العيادية، أثبت هذا الأسلوب فاعليته مع اضطرابات عدة، من أبرزها: حالات الاكتئاب، الاحتراق الوظيفي، اضطراب طيف التوحد، تشتت الانتباه، الصدمات الاجتماعية، والقلق الاستباقي.

والدراسات العلمية في هذا المجال قد تستغرق شهورًا أو سنوات لإثبات جديتها؛ لأن الحالات الإنسانية تخضع لمقاييس دقيقة، ودراسة حالة، وتشخيص عيادي، وعلاجات دوائية. وقد ثبت يقينًا تأثير اللون الإيجابي على الحالات النفسية الناتجة عن الظروف الحياتية القامعة. أما في الحالات النفسية العصبية التي تعود لأسباب وراثية أو عضوية، فإن العلاج بالفنون يندرج كعنصر مساند ومتكامل مع العلاج الدوائي الأساسي ولا يحل محله.

كيف تبدو هذه العملية خلف الأبواب المغلقة؟ وما هي المراحل التدريجية وكواليس “الجلسة العلاجية” في عيادتكم؟

* العلاج بالفن يمر بمراحل مدروسة، وكأننا نمرر الحالة في ممرات استباقية لتأهيلها. تبدأ العملية بـ “التهيئة”، ثم الانتقال إلى مرحلة “التأمل”، مرورًا بالحديث المتبادل، والراحة في الحركة والتقليد. بعد ذلك، نترك للمريض حرية التعبير عبر وضع الأدوات والألوان أمامه؛ ليجد منطقة راحته الخاصة ويشرع في التعبير اللوني العفوي.

أحيانًا، يرسم المريض بناءً على توجيه المعالج، أو بوازع ذاتي؛ سواء كان رسمًا تعبيريًا، أو شخبطة عشوائية، أو حتى كتابة أرقام. الهدف من هذه العملية هو تهيئة وسائل الراحة للحالة لتنطلق في عالمها الخاص، وتُخرج مكنوناتها بشكل مبسط للتخلص من ثقلها، ومن ثم العبور نحو “المصالحة مع الذات” لتصفية المواقف المتراكمة، والخروج إلى العالم الخارجي والتعايش معه بسلام.

 هل يمكن لخيارات المريض اللونية على قماش اللوحة أن تكون أداة حقيقية لتشخيص طبيعة الاضطراب النفسي؟

* في بعض الحالات، نطلق العنان للمريض ليتحدث عن نفسه وعن مشاعره الدفينة، ونضع أمامه لونًا واحدًا أو عدة ألوان. هذا الأسلوب يساعد في استقراء طبيعة الحالة بعد التشخيص الأولي. كما أن تهيئة جدران العيادة بأعمال فنية مدروسة يترك مجالًا للتأمل العلاجي لاحقًا. ومع ذلك، فإن هذه الطريقة لا تعطي نتائج تشخيصية مباشرة فورًا، بل تتطلب فترات زمنية قد تطول لتداخل بعض الاضطرابات العصبية والنفسية معًا.

 يُلاحظ أن هندسة الألوان أصبحت تمتد للمنشآت الصحية والعيادات.. كيف يتم توظيف ذلك علميًا؟

* الجلسات العلاجية تكون محكومة بدقة في أدق تفاصيل المكان؛ بدءًا من لون الحوائط، مرورًا بالأدوات المحيطة، وصولًا إلى الزي الذي يرتديه الطبيب أو الممرض المصاحب.

هذه الهندسة اللونية انتشرت مؤخرًا في المراكز الصحية بشكل ملحوظ؛ فالسائد علميًا هو استخدام اللون الأبيض للحوائط أو مشتقات الأزرق الفاتح (السماوي)، مع أرضيات باللون البني أو الرملي. بينما تُستخدم ألوان مختلفة للتوجيه البصري؛ كالأحمر أو الأخضر للتوجه نحو مراكز الفحص والعمليات، أو الأصفر للممرات، في حين تُخصص لغرف الأطفال ألوان مفرحة وجاذبة لبعث الحيوية. هذا التوزيع لا يأتي عبثًا، بل هو نتاج دراسات بحثية مستفيضة لترك أثر نفسي مستهدف واستدراك نتائج علاجية متوقعة.

  كيف يحمي المعالج نفسه من امتصاص طاقة الحزن والتوتر أثناء تفريغ مشاعر الآخرين؟

* المعالج النفسي مطالب دائمًا بأن يكون مستمعًا متفرغًا، وأن يمثل “دائرة الأمان” للمريض. والتأثر الإنساني أمر وارد، لكن الاحترافية تفرض على المعالج أن يكون متحكمًا تمامًا في انفعالاته وقراراته أثناء سير الجلسات.

المسؤولية الكبرى تقع على عاتق مَن يجمع بين المهنة النفسية والحس الفني معًا؛ فهو يستقطب ويطلق فكرًا وتصورًا علاجيًا مدروسًا. وبشكل عام، فإن المختص يملك الأدوات المهنية لاستقبال حالات مقننة خلال ساعات عمله الوظيفي، وعزلها تمامًا عن حياته اليومية لحماية توازنه النفسي.

رابعًا: البُعد الاجتماعي والثقافي وكسر “الوصمة”

 كيف يتقبل المجتمع المحلي اليوم فكرة الذهاب لأخصائي يتخذ من الألوان وسيلة للعلاج بدلًا من العيادة التقليدية؟

* سابقًا، كان الكثيرون في مجتمعنا يعانون من الاضطرابات النفسية بصمت مطبق؛ خوفًا من النظرة الاجتماعية السلبية وتجنبًا للحرج. لكن مع مرور الوقت، واتساع رقعة التعليم، ودخول وسائل التواصل الاجتماعي، تبددت تلك “المنطقة المظلمة” وتغيرت المفاهيم تمامًا.

لقد استوعب المجتمع أن الحالات النفسية ليست مشكلة فردية، وأن العلاج لا يقتصر على الأدوية المهدئة فقط. أصبح هناك إدراك بأن المرض قضاء وقدر يجب التعامل معه بأريحية تخدم المريض وتقلل الجهد النفسي على ذويه، لتأهيل الحالة وجعلها فاعلة ومستقلة.

 هل ساهم ربط العلاج النفسي بالفن في تخفيف “وصمة العار” المجتمعية وجعل الأسر أكثر إقبالًا على طلب الدعم؟

* فكرة التوجه إلى مركز أخصائي نفسي كانت تواجَه سابقًا بالتردد. لكن الجميل اليوم أن الأمر لم يعد من المحظورات؛ بل أصبح الاعتراف بالمرض دافعًا للعديد من الأسر لاتخاذ خطوات إيجابية ملموسة تحسن جودة حياة المريض.

بتنا نرى عائلات تُقدِم على تعديل ألوان جدران منازلها، أو الحرص على وجود حدائق منزلية. كما أصبح هناك قبول مجتمعي كبير لدمج المرضى في المدارس بدلًا من حبسهم، وإشراكهم ضمن خطط مدروسة تترك للمريض مساحة للتعبير، بدلًا من الاعتماد الكلي على الأدوية المهدئة كحل سهل.

هل تختلف دلالات الألوان من شخص لآخر، وكيف يسهم اللون في بناء جسر تواصل بين المريض ومحيطه؟

* لكل لون دلالة نوعية تعمل في اتجاهين: اتجاه منطلق من المريض، واتجاه مستقبل من المحيطين به. فاللون يمثل “منطقة راحة وأمان” للحالة، تنطلق من خلال اختياره العفوي ليعبر عن مشاعره الدفينة.

وفي الوقت نفسه، يمثل هذا الاختيار اللوني نقطة تبسيط لمن هم حول المريض، حيث يمنحهم مؤشرات واضحة حول ما يسعده أو يزعجه. بناءً على هذه الإشارات البصرية، تصبح مساندة الأسرة والمجتمع للمريض فاعلة وذات جدوى حقيقية، ودون أي شعور بالقصور.

خامسًا: الرؤية المستقبلية والتوصيات

كيف ترين مستقبل دمج العلاج بالفن والألوان في منشآتنا ببلادنا؟ وما هي نصيحتكِ للقراء للاستفادة من طاقة الألوان يوميًا؟

* إن مجتمعنا يزخر بمزيج وتنوع خلاق تحكمه الطبيعة البيئية والعادات التي تجعله يتلون ويأخذ مسارات أصيلة. لذا، أدعو الجميع إلى تفعيل دور “البهجة بالألوان” في تفاصيل حياتهم يوميًا بعيدًا عن التكلف أو الازدواجية.

دعونا نفسح المجال لكل العوامل العلمية والفنية لخلق تصالح ذاتي ومجتمعي، وتقبل الواقع والتعامل معه بشفافية؛ وذلك بهدف تنشئة أجيال متفتحة، تحافظ على موروثنا الجميل، وتجعل المستقبل رديفًا سليمًا لصحة نفسية مستدامة ومشاعر واعية.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>