كيف نجحت الأحساء في تجاوز أكبر مؤامرة لدفن تاريخها تحت الرمال؟

التعليقات: 0
كيف نجحت الأحساء في تجاوز أكبر مؤامرة لدفن تاريخها تحت الرمال؟
(تم توليد الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي)
https://wahhnews.com/?p=104491
كيف نجحت الأحساء في تجاوز أكبر مؤامرة لدفن تاريخها تحت الرمال؟
عبدالله بوحليم

منذ أن وُجدت الأحساء على حافة الربع الخالي، والرمال لم تكن مجرد مشهد طبيعي، بل كانت مهددًا وجوديًا يتنفّس مع كل هبة ريح. حبيبات رملية فريدة في خفتها، ونشطة في حركتها، تجرفها رياح لا تهدأ عبر قرون، في بيئة جافة غاب عنها المطر وحرمتها الطبيعة من مصدات الجبال. كانت الجغرافيا كلها تتآمر ضد الواحة الخضراء، حتى تحولت الكارثة إلى واقعٍ ملموس. غُمرت المزارع، طُمرت قنوات الري وعيون الماء العذبة، وزحف الأصفر القاتل على القرى والمدن. حتى قال عنها الصحفي سليم زبال في ستينيات القرن الماضي: “المدينة التي تزحف عليها الرمال لابتلاعها”.

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

في تلك العقود المظلمة، صار المرء يطأ بقدميه أسطح المنازل وكأنه يسير على أرض منبسطة، لا يُدرك أنه يمشي فوق سقف بيتٍ كان ينبض بالحياة، حتى يهمس في أذنه أحد كبار السن: “هنا، تحت أقدامك، كانت قرية دفنتها الرمال”. لم تكن الأحساء بدعًا من الأرض؛ فالإعصار الرملي الذي كاد يمحوها، هو ذاته الذي طمس قرية “وادي المر” في عُمان، ودفن قرية “جناح” بطينها ونخيلها في مصر، وهجّر سكان قرية “كولبين” في إسكتلندا محولاً حقولها إلى تلال صامتة.

مقبرة المليوني نخلة.. وقصة “العمران”

كانت قرية “العمران” الهدف الأول في خطة الزحف المُحكَمة؛ رمالٌ تقدمت بشراسة على مدى ثلاثة أعوام، بعد أن ابتلعت بالفعل أكثر من عشر قرى تفوق العمران مساحةً. ومع تسارع الخطى نحو “الهفوف” —القلب النابض للمحافظة، وعاصمتها الإدارية والتجارية— بدا أن الواحة كلها في طريقها للفناء.

صورة حقيقية لـ (العمران الجديدة) التي شيدها أهلها ليقيموا فيها، وهي قريبة من قرية العمران التي غطتها الرمال ‏‏(تمت معالجة الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

صورة حقيقية لـ (العمران الجديدة) التي شيدها أهلها ليقيموا فيها، وهي قريبة من قرية العمران التي غطتها الرمال ‏‏(تمت معالجة الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

حتى التاريخ لم يسلم؛ فقد طغت الرمال على قرية “جواثى” التاريخية (جواثا حاليًا)، لتدفن مسجد عبد القيس —ثاني مسجد صُليت فيه الجمعة في الإسلام—. وكما هو منقول من وكالة الأنباء السعودية (واس): “يقول الشيخ حمد الجاسر في كتابه «المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية» وبعض أقوال شيخ المؤرخين جواد الرمضان: إن اختفاء آثار المسجد يعود إلى زحف الرمال حتى مع كونه على مرتفع، مشيرًا إلى أن طول المسجد يبلغ 20 ذراعاً وعرضه 10 أذرع، ويوجد في الجهة الغربية عين جواثا، وفي الجنوب الغربي آثار مقبرة يعتقد أنها لعدد من الصحابة، الذين استُشهدوا في حروب الردة في السنة الـ14 للهجرة”.

 

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

وتحت وطأة هذا الزحف، خاضت النخيل معركتها الصامتة؛ أكثر من مليوني نخلة عافرت الرمال لسنوات، تموت واقفة، تختنق ببطء، يتساقط سعفها، ثم تتهاوى قممها لتختفي تحت الكثبان، فلا يتبقى منها سوى جذوع مدفونة تحكي مأساة “الموت خنقًا”.

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

من أين تأتي الرمال؟

كانت المعركة شرسة لأن العدو يهاجم من جبهتين مختلفتين بطبيعتين مختلفتين، المصدر الأول هو “المصدر البحري” حيث هدايا الخليج العربي المسمومة؛ تدفع الأمواج حبيبات الرمال البيضاء المستديرة نحو الشواطئ الضحلة، ومع انحسار المياه في ظاهرة الجزر، تجففها الشمس الحارقة، لتلتقطها الرياح وتسوقها بسهولة نحو عمق الواحة. أما المصدر الثاني فهو المصدر البري، حيث صحراء الدهناء الغربية، مخزن لا ينضب من الرمال الصفراء ذات الحبيبات الأكبر حجمًا والأقل استدارة، لكنها تتدفق بملايين الأطنان كأمواج لا تتوقف.

معجزة رشاد.. عندما هزمت “البيولوجيا” النفط والشركات العالمية

عز الدين رشاد: المسؤول عن وقف زحف الرمال - صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

عز الدين رشاد: المسؤول عن وقف زحف الرمال – صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

في ستينيات القرن الماضي، بلغت الأزمة ذروتها. تقدمت كبرى الشركات الأمريكية واليابانية والألمانية بحلّ تكنولوجي مكلف لكنه مضر للبيئة، وهو رش الكثبان الرملية بطبقة من النفط الخام لشل حركتها. كان مشروعًا ضخماً يتطلب 12 عامًا وتكلفة تصل إلى 18 مليون ريال (بمقاييس ذلك الزمن) التي قد تساوي مليارات الريالات اليوم، فضلاً عن أثره البيئي المدمر الذي سيميت الأرض زراعيًا إلى الأبد.

 

لكن الرهان الحقيقي كان على العبقرية العربية؛ حيث تقدم الخبير الأستاذ عز الدين رشاد باقتراح مضاد، يتبنى فلسفة “المواجهة بالحياة لا بالموت”. فاقترح محاربة الرمال بالخضرة، عبر زراعة خطوط دفاعية نباتية كثيفة. الميزة العبقرية في هذه النباتات أنها تنمو وتتسامى كلما ارتفعت عليها الرمال، لتسبق الكثيب وتثبته. وبميزانية لم تتجاوز 4 ملايين ريال، وبسواعد 300 عامل و10 مزارعين فنيين، بدأت الملحمة.

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

خلال ثلاث سنوات فقط، تحققت المعجزة بحفر 37 بئرًا ارتوازية (بئر يخترق طبقات الأرض العميقة للوصول إلى المياه الجوفية المحصورة تحت ضغط طبيعي عالٍ)، وغرس ثلاثة ملايين ونصف المليون شجرة فوق سماد صُنع محليًا، وشق 40 كيلومتراً من الطرق وسط الكثبان. كانت النتيجة السيطرة الكاملة على 150 ألف طن من الرمال المتحركة، وتحجيم المتبقي منها وتطويقه.

 

 

صورة جوية حقيقية توضح قصة الصراع مع الرمال، كما هو واضح على الجهة اليسرى الكثبان الرملية التي استولت ‏على جزء من أجود أراضي الاحساء إنتاجًا. وأوقفت أمام خط الدفاع الذي يبدو في الوسط، وطوله ١٢ كيلومتراً. (تمت ‏معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

صورة جوية حقيقية توضح قصة الصراع مع الرمال، كما هو واضح على الجهة اليسرى الكثبان الرملية التي استولت ‏على جزء من أجود أراضي الاحساء إنتاجًا. وأوقفت أمام خط الدفاع الذي يبدو في الوسط، وطوله ١٢ كيلومتراً. (تمت ‏معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

 

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

صورة حقيقية (تمت معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي)‏

الواحة.. ظلّت خضراء

الأحساء، رغم عاديات الزمان وقسوة الصحراء، رفضت أن تموت، وظلت جنة خضراء تقاوم الرمال بالعمل والتعب. وقبل نحو ثمانية عقود، اختزل الشاعر الأحسائي الشيخ عبد الله عبد اللطيف المبارك حالها بيتين من الشعر قال فيهما: ان الحسا عروس وهي عاطلة … فكيف لو قلدت حلياً وسجاداً؟

واليوم، تحول “الحلي والسجاد” من أمنية شعرية إلى واقع ملموس. فالمشروع الذي بدأ كـ “خنادق دفاعية” لصد الرمال، توّج نجاحه الباهر في عام 1985م بقرار تاريخي حوّله من مجرد مصدات زراعية إلى “منتزه الأحساء الوطني (مشروع حجز الرمال)”.

لقد استحالت تلك الجبهة القتالية الشرسة، التي تقع تحديداً في مدينة “العمران” (على بُعد 20 كيلومتراً من الهفوف)، إلى غابة ساحرة ومقصد سياحي تبلغ مساحته نحو 4500 هكتار. حيث تبدلت أطنان الرمال الزاحفة بمسطحات خضراء شاسعة، وبحيرات اصطناعية، ومضامير للخيول والدراجات، لتصبح هذه الأرض الرئة الطبيعية التي يتنفس منها أهالي وزوار المنطقة الشرقية.

صور واس

صور واس

صور واس

صور واس

صور واس

صور واس

صور واس

صور واس

واحة النخيل التي كادت تبتلعها الصحراء بالأمس، تشهد اليوم في ظل القيادة الرشيدة وبمتابعة واهتمام من سمو محافظ الأحساء، صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر، نهضة تنموية واستثمارية ضخمة؛ مشاريع تطهير وتطوير خدمي، إبراز للعمق الثقافي والتاريخي المسجل عالميًا، وصيانة لمقوماتها الزراعية الفريدة، وخيرات تصل لمشارق الأرض ومغاربها، لتبقى الواحة درة الشرقية وجوهرتها التي روّضت الصحراء، وحوّلت رمالها المتحركة إلى واحة للسلام والنماء.

  • معظم المعلومات في التقرير مستندة على الاستطلاع المنشور للصحفي “سليم زبال” في مجلة “العربي” العدد ٩١ المطبوعة في عام ١٩٦٦م.
  • جميع الصور هي صور حقيقية من التقاط المصور عبدالناصر شقرة – ماعدا الصور التي تم الإشارة لغيره-.
  • جميع الصور تم معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي –ماعدا صور واس-. (يمكن الاطلاع على أصل الصور في الأسفل).

الصور الأصلية

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>