سلطت الكاتبة والمدربة المتخصصة في التخطيط الإستراتيجي عبير بنت ناصر السماعيل، الضوء على واقع الكتابة المعاصرة، وصراع البقاء بين خوارزميات المنصات والعمق الإنساني، وصولاً إلى مستقبل الإبداع البشري في عصر الذكاء الاصطناعي، خلال أمسية ثقافية قدمتها بعنوان “الكاتب في زمن الوفرة الرقمية.. ماذا ربحت الكلمة وماذا خسرت؟”، في حاضنة الأعمال “أبعاد”.
ديمقراطية النشر والتفاعل الحي: رحابة الكلمة ومكاسبها الرقمية
افتتحت السماعيل قراءتها للمشهد الثقافي الحالي بالحديث عن “ديمقراطية النشر” في زمن الوفرة الرقمية، حيث يرى الكثيرون أن تخلص الكاتب من سلطة “حارس البوابة” (الناشر التقليدي) وامتلاكه لمنبره الخاص قد أحدث تحولاً جذرياً.
وفي هذا السياق، أكدت الكاتبة أن الوفرة الرقمية لم تخلق مشكلة بحد ذاتها، بل غيرت طبيعة التحدي؛ فبعد أن كان السؤال تاريخياً يدور حول كيفية وصول الكاتب إلى قارئه، بات التحدي اليوم هو: “كيف يبقى صوت الكاتب حاضراً وسط ملايين الأصوات؟”.
وأوضحت السماعيل أن ديمقراطية النشر منحت فرصة عظيمة لكثير من المواهب التي ربما لم تكن لتعبر بوابات النشر التقليدية، مما فتح المجال أمام تنوع أكبر في الأفكار والتجارب الإنسانية. إلا أنها نوهت في الوقت ذاته إلى أن هذه الرحابة أزالت جزءاً من عملية الفرز (الفلترة) التي كانت تحدث قبل وصول النص إلى الجمهور، ملقيةً بالمسؤولية على وعي الكاتب وذائقة القارئ.
واختتمت هذا المحور بالإشارة إلى أننا لا نعيش أزمة كثرة كلمات، بل أزمة تمييز القيمة، مشددة على أن الانتشار قد تمنحه الخوارزمية، لكن البقاء تمنحه جودة الفكرة وعمق الأثر.
وفيما يخص “التفاعل الحي” والمباشر الذي أتاحته المنصات الرقمية بين الكاتب والقراء، أعربت الكاتبة عن تفاؤلها بهذا التحول، واصفةً إياه بأنه من أجمل ما صنعته الرقمية؛ إذ لم يعد النص يصل إلى القارئ بصمت كالسابق، بل أصبح الكاتب يلمس أثر كلماته لحظياً.
وكشفت السماعيل من واقع تجربتها الشخصية أن هذا القرب امتد ليكون شريكاً في صناعة الأفكار نفسها، حيث تحولت العديد من تعليقات القراء ونقاشاتهم إلى بذور لمقالات جديدة، محذرةً في الوقت نفسه من أن ينجر الكاتب وراء ملاحقة توقعات الآخرين على حساب صوته الخاص.
متلازمة التصفح وأزمة الخلود: ماذا خسرت الكلمة؟
انتقالاً إلى التحديات والعمق الفكري، ومواجهة “متلازمة التصفح السريع” وضيق مدى انتباه القارئ الرقمي، نفت الكاتبة أن يكون الكاتب المعاصر مضطراً لتقديم تنازلات تفرغ النص من قيمته، بل رأت أنه مطالب بفهم طبيعة قارئ اليوم؛ موضحةً أن هناك فرقاً جوهرياً بين تطوير طريقة تقديم الفكرة وبين تسطيحها.
وأشارت إلى أن ثقافة “التمرير السريع” وضعت المبدع أمام تحدٍ إبداعي جديد يتمثل في كيفية تقديم فكرة عميقة بطريقة قادرة على الوصول، مؤكدة أن العمق لا يعني التعقيد، والبساطة لا تعني السطحية، وأن قيمة الكتابة تقاس بالمسافة الفكرية التي يقطعها الكاتب قبل أن يخط كلماته.
وعن جدلية “خلود النص” وصراع البقاء بين وقار الورق وسرعة زوال النص الرقمي خلف سيل التحديثات، شددت السماعيل على أن خلود النص لم يكن يوماً مرتبطاً بالوعاء الذي يسكنه، بل بالأثر الذي يتركه في الوجدان.
واستعرضت الكاتبة التاريخ الإنساني الذي انتقل من النقش على الحجر إلى المخطوطات والورق وصولاً إلى الشاشات، لتؤكد أن الأوعية تتغير بينما يبقى السؤال ثابتاً: “ما النص الذي يستحق أن يعبر الزمن؟”، مبيّنة أن مسؤولية الكاتب الحقيقية هي كتابة نص صادق وعميق يستقر في ذاكرة القارئ، فالانتشار يمنح الكلمة حضوراً عابراً، بينما الأثر هو ما يهبها الحياة.
إستراتيجية الكاتب في مواجهة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي
من منظور تخصصها في التخطيط الإستراتيجي، طرحت الكاتبة معالم الإستراتيجية المثلى للموازنة بين الكم والكيف، حيث أكدت أن الخطوة الأولى لأي كاتب اليوم هي الإجابة عن أسئلة جوهرية: “لماذا أكتب؟ وماذا أريد أن أضيف؟ وما الأثر الذي أطمح لتركه؟”.
وشبّهت الكاتبة المشهد بعالم الأعمال، محذرة من أن الكاتب الذي لا يدرك رسالته سيجد نفسه يلاحق رضا الخوارزميات بدلاً من تسخيرها لخدمة فكرته، لافتة إلى أن الخوارزميات تقيس السرعة والتفاعل لكنها تعجز عن قياس العمق، والحل يكمن في التعامل معها كأداة للوصول لا كبوصلة توجيه.
وفي المحور الأكثر تعقيداً والمتعلق بدخول “الذكاء الاصطناعي التوليدي” كمنافس في إنتاج النصوص، أقرت السماعيل بصعوبة هذا التحدي الذي غير نظرة المجتمعات لمفهوم الإبداع، مستشهدة بتجربتها الشخصية والتساؤلات التي يواجهها الكتّاب اليوم حول مدى أصالة نصوصهم. ومع ذلك، أعلنت الكاتبة انحيازها لمبدأ فريد طرحته في الأمسية وهو: “الفكرة أولاً ثم الآلة”، موضحةً أن الآلة لا تخترع الأفكار بل تلبسها ثوباً لغوياً فقط، وإذا غابت الفكرة الأصيلة ألبست الآلة الكاتب ثوب غيره وجردت النص من روحه.
وجزمت بأن فرادة الكاتب البشري لن تكون في منافسة الآلة على سرعة الإنتاج، بل في الحفاظ على بصمته الإنسانية الحية وتجاربه وما عاشه من أسئلة وتأملات.
بين عبق الورق وفضاء الرقمية: شهادة ذاتية ونظرة للمستقبل
وفي لفتة إنسانية حية، استحضرت الكاتبة نشأتها في بيت كان الكتاب الورقي رفيقه الدائم، معترفةً بأنها إنسانة حسية بطبيعتها تتعامل مع الكتاب كتجربة شعورية متكاملة ترتبط بملمس الورق ورائحته وأثر القلم على الهامش، بل وترتبط بذاكرة المكان والموسيقى التي رافقت القراءة.
ورغم هذا العشق للورق، لم تخفِ السماعيل إعجابها بالعالم الرقمي الذي وصفته بالأرشيف الضخم العابر للقارات، مؤكدة أنها تستثمر هذه المساحة الرقمية لحفظ ملفها الثقافي ومسيرتها الكتابية. وبناءً على ذلك، رفضت الكاتبة وضع الورقي والرقمي في خطوط مواجهة، معتبرة أن الورق يمنح الذاكرة الحسية، بينما يمنح الرقمي الكلمة امتداداً وحضوراً، والأثر في النهاية هو الفيصل.
واختتمت السماعيل حديثها بالإضاءة على “رحلة صناعة الكاتب نفسه”، مستعرضةً مسيرتها الاحترافية خلال السنوات الست الماضية، وكيف استغرقت أربع سنوات من البحث والتجريب لتصل إلى صوتها ومسارها الخاص.
ومن هذا المنطلق، ثمنت الكاتبة الحراك الثقافي المبهر والدعم السخي الذي يشهده القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية في ظل رؤية السعودية 2030. ودعت السماعيل، من زاويتها الإستراتيجية، إلى ضرورة الانتقال بهذا الحراك من مجرد تنظيم فعاليات “حول” الكتابة، إلى بناء مسارات ومؤسسات تُعنى بصناعة الكاتب معرفياً ومهارياً وإبداعياً، وتمكينه من أدوات العصر وتحديات المستقبل.
ونوهت في ختام أمسيتها إلى أن التكامل وتبادل الخبرات بين الأندية والجمعيات الثقافية هو المفتاح لتحويل هذا الزخم الثقافي إلى أثر مستدام يمتد للأجيال القادمة، محتضناً البذور والمواهب الشابة لتقف على أرض خصبة وتصل إلى صوتها الخاص.

كل الشكر والتقدير لصحيفة وهج نيوز وللأستاذ جاسم العبود على تسليط الضوء على هذا الموضوع، وفتح مساحة للحوار حول مستقبل الكتابة في زمن الوفرة الرقمية والتحولات التقنية.
كانت أمسية “الكاتب في زمن الوفرة الرقمية: ماذا ربحت الكلمة… وماذا خسرت؟” محاولة للتأمل في علاقتنا بالكلمة، وكيف نستفيد من أدوات العصر دون أن نفقد صوت الكاتب وتجربته الإنسانية.
فالكلمة لا تنتهي حين تُكتب… بل تبدأ رحلة جديدة حين تصل وتفتح بابًا للحوار.
كل الشكر والامتنان 🌿