احدث الأخبار

أمل الحربي تكتب: ‏جغرافيا الصمت.. ماذا يحدث للقصص التي لم تُقَل؟

التعليقات: 0
أمل الحربي تكتب: ‏جغرافيا الصمت.. ماذا يحدث للقصص التي لم تُقَل؟
https://wahhnews.com/?p=99722
أمل الحربي تكتب: ‏جغرافيا الصمت.. ماذا يحدث للقصص التي لم تُقَل؟
الواحة نيوز

‏”ليس هناك ألمٌ أعظم من حمل قصة لم تجد من يسمعها”؛ هذه الفكرة التي خلّدتها الشاعرة ‏مايا أنجيلو وتجسدت في أوجاع شخصيات رواية عدّاء الطائرة الورقية، تضع الإصبع على ‏الندبة الحقيقية في الروح البشرية. فالمعاناة الكبرى لا تكمن دائماً فيما وقع لنا من أحداث، بل ‏في ذلك الثقل الذي نضطر لحمله وحدنا في زنزانة الصمت. ‏

بعض القصص لا تقتلنا لأنها قاسية، بل لأنها بقيت سنوات طويلة تختنق داخلنا دون أن تجد ‏‏”شاهداً” يحررها بإنصاته، فالقصص التي لا تُقال لا تتبخر أبداً، بل تخضع لقانون بقاء الألم؛ ‏تبدأ كذكرى موجعة، ثم تتحول مع الوقت إلى صمت كثيف، ثم إلى شيء مادي يثقل الصدر ‏ويضيق به التنفس، كغصة في الحلق تمنع بلع الريق أو تحجر في ملامح الوجه لا يذيبه بكاء.‏

هذا التحول الباطني هو ما يجعلنا نتأمل فلسفة “الحزن الصامت” التي برع الأدب الروسي في ‏تصويرها؛ حيث يتعلم الإنسان كيف يبتسم وقلبه مثقل بالكسور، ليس كعلامة تعافٍ، بل كقناع ‏احترافي يرتديه عندما يتعب من محاولات الشرح الفاشلة، أو عندما يوقن أن أحداً لن يفهمه ‏كما ينبغي. إنه نوع من “الحزن المتخفي” الذي يظهر في صورة إنسان يبدو طبيعياً أكثر من ‏اللازم؛ يذهب لعمله، يبتسم، ويمازح الآخرين، لكنه يعود في آخر الليل ليواجه ذلك الجزء ‏العالق في حنجرته، والذي يترجمه الجسد أحياناً في صورة تعب لا سبب له، أو برودة مفاجئة ‏في أطراف الأصابع، أو جفاء مباغت تجاه أشياء كان يوماً يحبها.‏

وربما لهذا السبب تحديداً، يتملكنا أحياناً ذلك الدافع الغريب لنحكي أسرارنا لإنسان لا نعرفه؛ ‏لشخص عابر في قطار أو خلف شاشة لن نراه مرة أخرى. نحن لا نفعل ذلك لأننا نثق به، بل ‏لأن الغريب يمنحنا “ورقة بيضاء” وقبولاً غير مشروط؛ فهو لا يملك صورة قديمة عنا، ولا ‏يطالبنا بأن نكون أقوى مما نحن عليه، ولا يملك سلطة إطلاق الأحكام التي يملكها المقربون. ‏الغريب يمنحنا فرصة نادرة لنكون “نحن” بلا رتوش ولو لمرة واحدة، فنفرغ أحمالنا في محطة ‏عابرة ونمضي أخف قليلاً، هرباً من “مقصلة النصيحة” السطحية التي قوبلنا بها سابقاً حين ‏حاولنا البوح، فسمعنا كلمات مثل “انسَ الأمر” التي تذبح الروح أكثر مما تداويها.‏

لكن الصمت ليس دائماً خياراً، بل هو أحياناً “رعب”؛ رعب من أن تخرج القصة فتعرّينا أمام ‏الآخرين، أو تجعلنا نبدو ضعفاء بشكل لا يمكن استعادته. نحن نخشى “خيانة اللغة” وعجز ‏الكلمات عن وصف بشاعة ما حدث، تماماً كما صوّره محمد شكري في الخبز الحافي من خلال ‏حياة التهميش والقهر، حيث يكتشف المرء أن العالم قد يراك لكنه لا يسمعك أبداً، مما يدفع ‏الإنسان لاختيار “الصمت الدفاعي” مفضلاً احتراق الداخل على سوء فهم الخارج.‏

‏ لكن، وعلى عكس ما يظنه البعض بأن القوة تكمن في الكتمان دائماً، يعلمنا الإيمان أن البوح ‏هو باب النجاة الأول؛ فيعقوب عليه السلام لم يتظاهر بالتماسك المزيف حين فقد يوسف، بل ‏جهر بألمه قائلاً: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. هذه الآية هي الملاذ الأخير لكل قصة لم تجد ‏من يسمعها؛ فإن ضاقت الأرض بكلماتك، فإن السماء تتسع لها دائماً.‏

إن أقسى ما يفعله الحزن بنا هو أنه يجعلنا نعتاد حمل ما كان يجب أن نتخفف منه، ويحولنا إلى ‏مقابر للكلمات المخنوقة. لذا، لا تبقَ وحيداً داخل زنزانة نفسك إلى هذا الحد؛ ابحث عن قلب ‏آمن، أو ورقة بيضاء، أو سجدة طويلة. وعلى الجانب الآخر، تذكر أن تكون ذلك المستمع ‏الآمن للآخرين؛ فأن تكون مستمعاً ليس مجرد صمت، بل هو منح الآخر حق الوجود والاعتراف ‏بألمه. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى نصيحة أو حلول باردة، بل يحتاج فقط إلى شعور واحد يرمم ‏انكساره: أن أحداً ما، قد سمعه وفهمه أخيراً. ففي نهاية المطاف، القصص التي لا نحكيها، هي ‏التي تكتب نهاياتنا في صمت.‏

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>