يأتي يوم التأسيس في 22 فبراير، ويتكرر أمامنا وعلى أسماعنا عام 1727م. قد يسأل جيل اليوم: لماذا نعود كل هذه المسافة؟ ولماذا الآن؟
في ظاهره يبدو السؤال عن الزمن، لكنه في جوهره سؤال عن الفهم. فالرجوع ثلاثة قرون قد يبدو مسافة بعيدة، لكنه في الحقيقة قراءة للتاريخ بوصفه إطارًا للرؤية، وزاوية نظر نتعلم منها كيف بدأ كل شيء… ولماذا استمر.
ومع مرحلة الوعي التي نعيشها اليوم — وعي لا يكتفي بالإنجاز ولا يتوقف عند النتائج — يصبح يوم التأسيس محطة تعيد شحن وعينا بطاقة البدايات والأصل؛ محطة نتدرّب فيها على الرؤية، وعلى الانطلاق، وعلى الاستمرار. ويغدو الرجوع ثلاثة قرون تمرينًا ذهنيًا عميقًا يُدرك من خلاله الجيل أن ما نعيشه اليوم ليس صدفة، ولا وليد لحظة حديثة، بل امتداد قرار اتُّخذ في زمن كانت فيه الظروف أصعب والإمكانات أقل .
يأتي يوم التأسيس ليبني في وعينا نموذجًا حقيقيًا للنجاح وللأصالة. فتعاقب المراحل في تاريخ الدولة لم يكن سلسلة أحداث عابرة، بل تجسيدًا لصلابة الفكرة وثبات القيم. النجاح هنا ليس لحظة صعود عابرة، بل لحظة التزام، لحظة جرأة على البدء، وعزيمة على التنفيذ، وقدرة متجددة على إعادة البناء كلما دعت الحاجة.
وإذا تأملنا هذا النموذج، نجده قائمًا على منظومة متكاملة: وضوح المرجعية، وثبات الهوية، وأصالة القيم، والارتباط بالأرض، وعزم التنفيذ. عناصر تعمل في توازن دقيق؛ وأي اختلال في أحدها ينعكس على الامتداد كله.
اليوم، بين أيدينا قصة تاريخية نحتفي بها، ودولة نتعلم منها كيف نؤسس فكرة، وكيف نصون معناها عبر التحولات، وعبر الزمن. هذا الفهم الواعي لا يبقى في حيز الكلمات، بل يتجسد بصريًا في هوية يوم التأسيس، وفي أذهاننا كلغة تؤكد أن فهم هذه اللحظة ضرورة لا رفاهية. فالأمر لا يقف عند الألوان الترابية بوصفها اختيارًا جماليًا، بل يتسع ليشمل عناصر الشعار ذاته: النخلة، العلم، الخيل العربية، الصقر، السوق — معانٍ مترابطة تعيدنا إلى البدايات، إلى الجذور. بهذه الهوية البصرية الثرية، يصبح يوم التأسيس مرجعية وبوصلة للتقدم في ممارساتنا اليومية، في مؤسساتنا، في مشاريعنا، وفي خياراتنا الفردية: أن نبدأ بوضوح، أن نتحرك بوعي، وأن نحافظ على توازن عناصرنا ونحن نتقدم.
اليوم نقف امتنانًا ووفاءً للوطن الحبيب، ولقيادته الرشيدة ، ولتلك البدايات التي لا تُبطئ المسير… بل تمنحنا رؤية أصيلة، واتجاهًا واضحًا لنبدأ من جديد، أو لنواصل الطريق بشجاعة وثقة.
د. هاجر خليفه السلطان
جامعة الملك فيصل