أكدت أخصائية التسويق وصانعة المحتوى، وجدان حريصي، أن مفهوم التسويق في عالم الثقافة يتجاوز الأطر التقليدية الجامدة، موضحةً أنه “عملية مستمرة” تبدأ من لحظة ولادة الفكرة وترافق مراحل نضجها، وصولاً إلى إيصالها للقارئ المستهدف بأسلوب يلامس احتياجاته.
جاء ذلك خلال الأمسية التي قدمتها حريصي بعنوان “كيف يسوق الكاتب لنفسه؟”، ضمن فعاليات معرض “واحة الكتاب” بدار نورة الموسى، حيث رسمت خارطة طريق للكتّاب توازن بين جودة المحتوى الإبداعي وذكاء الحضور الرقمي.
فن التأثير لا الترويج
وعرّفت حريصي التسويق من منظورها الخاص بأنه “فن التأثير” وليس مجرد أداة للترويج، محذرة من الخلط الشائع بين التسويق والإعلان؛ إذ يمثل الأخير ركيزة واحدة فقط من ركائز التسويق الواسعة.
كما صححت المفهوم المغلوط حول دمج التسويق بالمبيعات، مؤكدة أنهما تخصصان “متكاملان”؛ حيث يمهد التسويق الطريق، بينما تتولى المبيعات مهمة إتمام الصفقة، ليصبح التعريف الشامل هو: فهم السوق والعميل، وتقديم قيمة حقيقية له مقابل الربح.
وعزت ارتباط التسويق بالبيع في أذهان الناس إلى رؤيتهم للمنتج النهائي فقط، دون إدراك الخطط الاستراتيجية التي سبقت ظهوره، مشيرة إلى أن الإعلانات الخالدة هي التي نجحت في ملامسة وجدان الجمهور ومخاطبة فئاتها المستهدفة بوضوح، وهو ما يمثل جوهر المسير التسويقي الناجح.
بناء الثقة في الفضاء الرقمي
وشددت حريصي على أن غياب الكاتب عن المنصات الرقمية يعد عائقًا جوهريًا في بناء الثقة مع القارئ؛ ففي ظل التحول الرقمي المهول، يبحث القارئ عن “صانع الفكرة” لتعميق صِلته به. وحول كيفية التواجد الفعال دون تشتت، قدمت استراتيجية “تكييف الرسالة”، موجهة الكتاب بضرورة تطويع المحتوى ليناسب طبيعة كل منصة:
– إنستغرام: التركيز على “المشاعر” والصورة البصرية بدلاً من العرض المباشر للمنتج.
– تيك توك: استخدام الفيديوهات القصيرة التي تبرز الأثر السلوكي أو الفكري للكتاب.
– منصة “إكس”: الطرح المنطقي والتربوي الذي يخاطب العقل ويثبت أهمية الفكرة وجدواها.
– لينكد إن: استهداف المؤسسات والمنصات الإبداعية عبر استعراض المنهجية والفكر المهني.
خارطة طريق: من التحليل إلى التنفيذ
وضعت حريصي مصفوفة عمل من أربع خطوات للكاتب، بدأت بـ “التحليل الرباعي” لتشخيص نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات للكاتب وكتابه على حد سواء.
كما دعت إلى رسم صورة تفصيلية لـ “القارئ المثالي”، وفهم دوافعه ومخاوفه، قائلة: “متى ما فهم الكاتب (نقطة ألم) القارئ، استطاع مخاطبته بأسلوب يجعله يشعر بأن هذا النص كُتب لأجله خصيصًا”.
وعلى صعيد الانتشار، اقترحت استراتيجية “استقطاب أصحاب القرار” عبر إهداء الكتاب للمؤثرين في القطاع المستهدف، للاستفادة من قوة “الكلمة المنطوقة” في التوصية بالعمل، مؤكدة أن السوق اليوم هو سوق “عرض وطلب” يتطلب من الكاتب صناعة علامته الشخصية بنفسه.
ملف الأعمال.. بوابة الفرص
وفي سياق متصل، أكدت حريصي أن مهارة القلم والفكر النقدي هي المحرك الحقيقي للفرص، حتى قبل صدور الكتاب الأول، داعيةً كل صاحب قلم إلى بناء “ملف أعمال احترافي؛ إذ أن أي جهة تطلع على هذا الملف ستدرك أسلوب الكاتب وفكره وقدرته على تطويع المرادفات، وهو ما يؤهله لآفاق مهنية وإبداعية قد تتجاوز توقعاته الشخصية.
وفي ختام الأمسية، شددت حريصي على أن الكاتب اليوم لم يعد مجرد “مؤلف” لكتاب، بل هو صانع محتوى ومؤثر في مجاله، وأن الاستثمار في بناء الهوية الرقمية والمهنية هو الضمانة الحقيقية لاستمرار الأثر الفكري وتحويله إلى نجاحات ملموسة في عصرنا الرقمي.