في إطار الجهود التوعوية للارتقاء بصحة المواليد، استعرض استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة الدكتور عباس بن موسى العمران، خلال مؤتمر توعوي قدمه بعنوان «فلذات أكبادنا.. أطفالنا حديثو الولادة: كيف نرعاهم ونحسّن جودة حياتهم»، أبرز الممارسات الطبية السليمة لضمان جودة حياة الطفل، محذرًا من سلوكيات خاطئة قد تعيق النمو الطبيعي وتؤثر في استقرار الوظائف الحيوية خلال الأشهر الأولى من العمر.
الرضاعة الطبيعية
وأكد الدكتور العمران أن الإخفاق في الالتزام بالرضاعة الطبيعية يُعد من أبرز السلوكيات الخاطئة التي تؤثر سلبًا في نمو الطفل، مشددًا على ضرورة البدء بإرضاع الطفل من حليب الأم مباشرة بعد الولادة، والاستمرار في ذلك لمدة لا تقل عن ستة أشهر بشكل حصري، دون إضافة أي سوائل أخرى، بما في ذلك الماء؛ موضحًا أن حليب الأم يحتوي على كميات كافية من الماء لتلبية احتياجات الوليد.
وأشار إلى إمكانية البدء بإدخال الأغذية شبه الصلبة، كالحبوب والفواكه المهروسة، مع بداية الشهر السادس، مؤكدًا أن استمرار الرضاعة الطبيعية خلال العامين الأولين يُعد الخيار الأمثل، شريطة دمجها مع التغذية التكميلية.
التدفئة في فصل الشتاء
وفيما يخص العوامل البيئية، أشار الدكتور العمران إلى أن ثاني السلوكيات الخاطئة يتمثل في الإخفاق في تدفئة الطفل بشكل جيد، خاصة خلال فصل الشتاء. وأوضح أن المواليد حديثي الولادة يحتاجون إلى رعاية خاصة للحفاظ على درجة حرارة أجسامهم الطبيعية عند (37 درجة مئوية)، وهو ما يتطلب إبقاء حرارة غرفة الطفل ضمن نطاق يتراوح بين (24 – 26 درجة مئوية)، إذ إن انخفاض درجة حرارة جسم الطفل قد يؤدي إلى تباطؤ معدلات نموه.
تلامس الجلد و«رعاية الكنغر»
وحذر الدكتور العمران من إهمال التلامس الجسدي المباشر بين الأم وطفلها (الجلد للجلد)، مشيرًا إلى ما يُعرف علميًا بـ«رعاية الكنغر» (KMC)، وهي محاكاة لاحتضان الأم لوليدها فور ولادته لضمان نموه السليم. واستعرض مزايا هذا التواصل الجسدي، مبينًا أنه يحفّز إفراز هرمون «الأوكسيتوسين»، الذي يساعد على زيادة إدرار الحليب، ويسهم في انقباض عضلات رحم الأم وعودتها إلى حالتها الطبيعية، فضلًا عن تعزيز الشعور بالأمان والمحبة والترابط العاطفي.
محور التغذية والنمو العصبي
وفي ظل انتشار البدائل الغذائية، أكد الدكتور العمران أن الالتزام بالرضاعة الطبيعية الحصرية يسهم في تحسين «المؤشرات الذهنية» للمولود؛ إذ تشير الدراسات العلمية إلى تفوق الأطفال الذين يرضعون طبيعيًا في اختبارات معدلات الذكاء (IQ).
واستشهد العمران بدراسة للبروفيسور «ألن لوكص» نُشرت عام 1998، أثبتت أن مقياس الذكاء لدى الأطفال الخدّج الذين اعتمدوا حصريًا على حليب أمهاتهم كان أعلى مقارنة بغيرهم، إضافة إلى دراسة للبروفيسور «فور» عام 2007، ربطت بين زيادة استهلاك الحليب الطبيعي وتطور الجهاز العصبي للطفل.
التمييز بين البكاء الطبيعي والعلامات التحذيرية
وحول كيفية تمييز الأم بين البكاء الطبيعي وغير الطبيعي، أوضح الدكتور العمران أن الأمهات الخبيرات عادة ما يستطعن التمييز بين أنواع البكاء الطبيعي الناتج عن الجوع أو البرد أو الحاجة إلى الحنان، مؤكدًا أن البكاء هو «لغة التخاطب» بين الطفل ووالديه. وفي المقابل، حذر من علامات تحذيرية مثل شدة وطول مدة البكاء، أو امتناع الطفل عن الرضاعة، أو الخمول.
كما شدد على أهمية مراقبة «القيء»، موضحًا أن القيء الطبيعي يكون بلون الحليب، أما إذا كان مائلًا إلى اللون الأخضر أو البني، أو اتسم بالاندفاع الشديد، فإن ذلك يُعد مؤشرًا غير طبيعي يستلزم تدخل المختصين.
الفحوصات الدورية والبرامج الوقائية
وفيما يتعلق بالفحوصات الوقائية، أوضح العمران أن معظمها يُجرى قبل خروج المولود من المستشفى، ومن أبرزها تحاليل «البرنامج الوطني للفحص المبكر لحديثي الولادة للحد من الإعاقة»، الذي يشمل أربعة مسارات هي: أمراض التمثيل الغذائي، وقصور الغدة الدرقية الخلقي، وأمراض الدم الوراثية، وتضخم الغدة الكظرية الخلقي.
كما استعرض حزمة من الفحوصات التي تُجرى بعد مرور 24 ساعة من الولادة، وتشمل: فحص السمع، والكشف عن عيوب القلب الخَلقية، وفحص مفصلي الورك، وفحص العينين؛ للتأكد من سلامة البصر وشفافية العدسة.
بروتوكول «صفر انفصال» ورعاية الخدّج منزليًا
ولتقليص الفجوة النمائية بين الأطفال الخدّج وأقرانهم مكتملي الحمل، استعرض الدكتور العمران استراتيجية «صفر انفصال» (Zero Separation)، والارتقاء بجودة الرعاية المنزلية من خلال المحاور التالية:
-
تطبيق رعاية «الأم الكنغر» (KMC): وذلك بالحفاظ على تلامس «الجلد للجلد» لمدة لا تقل عن 8 ساعات يوميًا، مع تبادل الأدوار بين الوالدين لضمان استمرارية التلامس الذي يسرّع نضج الدماغ.
-
البيئة المحيطة: تهيئة بيئة هادئة ذات إضاءة خافتة، والقراءة للمولود بصوت الأم المألوف؛ لما لذلك من أثر في استقرار الوظائف الحيوية وتطوير اللغة.
-
الوقاية والتدابير الاحترازية: الحفاظ على حرارة الغرفة بين (24 – 26 درجة مئوية)، وتجنب العطور القوية، وتقليل عدد الزوار لحماية رئتي الخديج من الفيروسات.
-
النوم الآمن: الالتزام بنوم الرضيع على ظهره فوق سطح ثابت، ومنع استخدام الوسائد أو الألعاب اللينة داخل السرير، للحد من مخاطر متلازمة موت الرضيع المفاجئ.
الرسالة الذهبية
واختتم الدكتور العمران حديثه لـ«الواحة نيوز» برسالة ذهبية، هي أن الركيزة الأساسية لرعاية الأطفال حديثي الولادة تكمن في الالتزام بالرضاعة الطبيعية الحصرية من حليب الأم خلال الأشهر الستة الأولى من حياتهم، إلى جانب المتابعة الدورية لدى طبيب الأطفال؛ لضمان النمو الصحي السليم والتأكد من خلو الطفل من أي عوارض صحية، بما يضمن له جودة حياة مستدامة.
