بكر عبدالله العبدالمحسن يكتب: صحيح أنك سَمَنْدِيقا !

التعليقات: 10
بكر عبدالله العبدالمحسن يكتب: صحيح أنك سَمَنْدِيقا !
https://wahhnews.com/?p=51362
بكر عبدالله العبدالمحسن يكتب: صحيح أنك سَمَنْدِيقا !
الواحة نيوز

في بعض الأحيان قد تضطر من شدة الانفعال والتعجب إلى إطلاق “صحيح أنك سَمَنْدِيقا” على ذلك الفرد اتجاه الموقف أو السلوك الذي يحتاج إلى تفاعل ونشاط وتوضيح وتغيير أكثر من حركة السكون والعجز والتبلد الذي ينتابه دون مبالاة بمن حوله أو بما هو أفضل له ،مستندا على تلك المرجعيات التي حدت من قدراته وإمكانيته واستطاعت توظيفه بما يخدم مصالحها ويضر بهويته وشخصيته وتفكيره ،وأنه في نهاية المطاف حارس أمين لا ناقة له ولا جمل فيما وُظف من أجله.

والرواية تقول أن مصدر ” سَمَنْدِيقا ” هو عبارة عن لفظتين هنديتين وهما (سَامَان) وتعني بضاعة و(دِيكَا) وتعني حارس ،فبعض أصحاب التسوق أو بسطات البيع يغادرون عملهم لبعض الوقت ويستعين بأحد الأفراد للوقوف أمام بضاعته ،ويأتي من يريد الشراء أو الاستفسار أو الطلب فيقول له المُؤتمن على البضاعة أنا ” سَمَنْدِيقا ” أي لا أعلم عما تسأل فأنا لستُ بصاحبها فأنا حارس بضاعة لا عِلم لدي بأي تفاصيل أو معرفة ،وعليك أن تعود في وقت آخر أو تنتظر صاحبها ،وهنا ينتاب السائل الانفعال وشيء من الغضب والتوتر لجهل حارس البضاعة عن أبسط المعلومات عما يرعاه ويحافظ عليه.

لقد انتقلت ” سَمَنْدِيقا ” لنا من اللغة الهندية عبر العلاقات التجارية والمهنية كما غيرها من الألفاظ الدخيلة ،وهذه الدلالة تم إعادة توظيفها بشكل تدريجي لمضمون أوسع في حركة تفاعل المواقف والأحداث الصادرة من الفرد والتي تتشابه فيها المُحصلة النهائية من كون الفرد ساكنا وحارسا لمجموعة الأفكار والمواقف التي لا يفقه في توضيحها وإعادة تشكيلها أو فهمها أو الخروج من دائرتها أو التحكم فيها وفق إرادته ومسؤوليته.

إن من أهم ما يُميز عصرنا الحاضر هو استخدام الرمزية كعلامات ورموز للإشارة إلى المعاني والمفاهيم التي تتجاوز المعنى الحرفي للرمز نفسه على شكل كلمات أو ألوان أو صور أو أشكال أو حتى أحداث ،وترتبط هذه الرموز في الفن بالتجارب الثقافية والاجتماعية للمجتمعات وتعكس الرموز القيم والمعتقدات والتقاليد الثقافية وتنقل القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية والفكرية.

وعلى ذلك فإن رمزية ” سَمَنْدِيقا ” كمفهوم يتجاوز معناه الحرفي لما أُطلق عليه إلى عمق معناه الدلالي في وصف حالة العجز والتجهيل والتقليد والانصياع والفرض التي يقع فيها صاحب الموقف دون فاعلية الوعي والإرادة بتحييده عن إدراك الواقع والتفاعل معه واختياراته إلى نقله كأداة لا قيمة لها ،ويتم التحكم فيه وفق الأهواء والظروف والاحتياجات .

فالآباء الذين يريدون نسخ شخصياتهم في أبنائهم دون افساح المجال للتعامل مع واقعهم واحتياجاتهم ،والمُعلم الذي يطلب من تلاميذه حفظ النصوص وأداء الطريقة وفق نموذج الإجابات التي وضعها دون مراعاة للفروق الفردية وتنوع ذكائهم وإبداعاتهم ،والفقيه والمرشد الديني الذي يُخاطب الناس بغير عقولهم وزمانهم ومستجداتهم ،والفنون التي تسرح وتمرح في عالم اللعب بعواطف القلوب والوقوف بها على شواطئ جراحها ،والتاجر الذي يفرض على المستهلك بضاعته وأسعارها مستقلا جوعه وشهوته ،والأيدلوجية التي تعمي العقول والأبصار عن مناقشتها والحيد عن طريقها قيد أنملة ،والعادات والتقاليد والأعراف التي تم بناؤها في اللاوعي وصعب إعادة هيكلتها ،فكلُ هؤلاء وغيرهم صنعوا منا ” سَمَنْدِيقا ” لأنفسنا ولغيرنا ووضعونا حُراسا لبضاعتهم وأفكارهم ونحن من أشد الأوفياء لهم وهم من أشد الناس وُثوقا بنا ،والأمثلة على ذلك واضحة للعيان وفي كل زاوية من حياتنا نسمع صوت “صحيح أنك سَمَنْدِيقا ”

 

التعليقات (١٠) اضف تعليق

    • ٩
      زائر

      وعليكم السلام عزيزي سيد بكر.
      تحياتي لجهودكم الطيبة في خدمة التراث.

      سامان و تعني بضاعة .

      وديقا، أو ديكو وتعني على حد قول اخواننا العراقين دير بالك على السامان.

      وعلى ذلك فهو في وارد الحراسة فقط وليس التصرف ب البيع .

  1. ٨
    زائر

    مبدع أستاذي العزيز … سلمت يداك .

  2. ٧

    أحسنت بو محمد 🌹.. استوقفتني هذه العبارة”وهنا ينتاب السائل الانفعال وشيء من الغضب والتوتر لجهل حارس البضاعة عن أبسط المعلومات عما يرعاه ويحافظ عليه”

    أغلبنا اليوم يعيش حالة أشبه بالسامانديقا؛ لا نعمل فكرنا و لا تساعدنا معرفتنا على العمل مما يخلصنا من حالة الحراسة لما تحت أيدينا، نحن نعيش حالة من الجهل مما يجعلنا ننصاع ونقلد الآخرين.. نسأل الله أن يعيننا ويوفقنا لكى نكون حراس نحيط معرفة بما نحرسه🤲🏻

  3. ٦
    زائر

    أحسنت بو محمد.. استوقفتني هذه العبارة”وهنا ينتاب السائل الانفعال وشيء من الغضب والتوتر لجهل حارس البضاعة عن أبسط المعلومات عما يرعاه ويحافظ عليه”

    أغلبنا اليوم يعيش حالة أشبه بالسامانديقا؛ لا نعمل فكرنا و لا تساعدنا معرفتنا على العمل مما يخلصنا من حالة الحراسة لما تحت أيدينا، نحن نعيش حالة من الجهل مما يجعلنا ننصاع ونقلد الآخرين.. نسأل الله أن يعيننا ويوفقنا لكى نكون حراس نحيط معرفة بما نحرسه🤲🏻

  4. ٥
    زائر

    اخي العزيز بكر شكرا لك هذه المقالات الجميلة الجريئة … مع اني لا ارى استساغة في ان يكون الفرد ساماديقا الا انه خيار متاح بحرية ان يكون لظرف ما او لبيئة محيطة حاكمه. و المرجعية و اتباعها ليست ممقوتة بالمطلق و هي ضرورة بحثية و علمية ليتسنى لك الولوج الى مجالات البحث العلمي . ففي الجامعات لن يقبل بحث علمي لا يستند الى نظرية مصدقه او نموذج مثبت و اللا نسي ارسطو و افلاطون و انشتين و الخوارزمي و مراجعنا الاجلاء . اما تعريف القائد عند اساطين علم الاداره فهو من يتبعه تابعيه طواعية و عليه فالقائد مرجعية لتابعيه. و لا تسير سفينة الحياة و التغيرات الكونية دون قياده فاعلة تحفظ مسار التغيير و التطور مجتمعيا ومؤسسيا. ……………..في المجمل المرجعية العلميه او القياديه ضرورة للبناء على ما توصلت اليه و من ثم تطوير الافكار و النظريات و مجمل امور الحياة و لم تتقدم البشرية اللا من خلال تلك المرجعيات و القيادات رصينه . وفقك الله .

  5. ٤
    بوكميل

    مبدع ماشاء الله …مبدع في استخلاص الفكرة مبدع في فنك 🌹

  6. ٣
    زائر

    لتعلم سيدي ان كوني سمنديقا هو حالة تريحني عن بذل العناء كي مع عقلي بشيئ يحتاج الى ان اتعب عقلي تفكيرا و جهدا.كرر ما يقوله الآخو و انت جالس على كرسيك دون عناء. اليس هذا ما يريده موجهي؟
    شكرا لك ، موضوع فيم

  7. ٢
    علي باقر

    استعاره رائعه لمصطلح متداول في سياق خاص و توظيفه بامتياز ليكون أكثر شمولية و في نفس الوقت أكثر دقة لتوصيف الـ ( رعاع)

    احسنت استاذ بكر

  8. ١
    زائر

    زاد الله توفيقاتكم أستاذنا

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>