ثريا الذرمان تكتب: العودة للمدرسة.. عودة للحياة

التعليقات: 20
ثريا الذرمان تكتب: العودة للمدرسة.. عودة للحياة
https://wahhnews.com/?p=108381
ثريا الذرمان تكتب: العودة للمدرسة.. عودة للحياة
الواحة نيوز

مع بداية كل عام دراسي، تستعد المدارس لاستقبال طلابها، وتُفتح الفصول، وتُرتب الجداول، وتُراجع الخطط، وتعلو أصوات الحركة في أروقة المدرسة من جديد.

لكن العودة للمدارس ليست عودةً للمقاعد والكتب والحقائب فقط، بل هي عودة للحياة، وللعلاقات، وللطموح، وللأمل.
ومن هنا، فإن الاستعداد الحقيقي للعام الدراسي لا ينبغي أن يقتصر على التجهيزات التنظيمية والتعليمية، بل يجب أن يبدأ من سؤال أعمق:
( كيف نهيئ الإنسان نفسيًا قبل أن نطالبه بالإنجاز؟)

العودة النفسية …البداية التي لا نراها

قد يعود الطالب إلى مقعده الدراسي، بينما يحمل في داخله قلقًا من عام جديد، أو خوفًا من الفشل، أو ضغوطًا لا يعرف كيف يعبّر عنها ، أو تراكمات وترسبات العام الماضي يحملها بين طياته في العام الجديد.

ولهذا فإن التهيئة للعام الدراسي لا ينبغي أن تبدأ بالكتب والجداول والحقائب فقط، بل تبدأ من الإنسان ومشاعره واحتياجاته.
أن يشعر الطالب بالأمان، وأن يجد من يستمع إليه دون حكم، وأن يتعلم كيف يتعامل مع مخاوفه وانفعالاته، وأن يكتشف نقاط قوته وقدراته، وأن يدرك أن التعثر لا يعني الفشل… كلها أمور تصنع فارقًا حقيقيًا في رحلته التعليمية.

فالمدرسة التي تضع الجانب النفسي والإنساني ضمن أولوياتها، لا تنتظر المشكلة حتى تكبر، وإنما تعمل على الوقاية، وبناء الثقة، وتعزيز القدرة على التكيف، وتهيئة بيئة تساعد أبناءنا على النمو والتعلم وهم أكثر اتزانًا وطمأنينة.
إن الاهتمام بالإنسان قبل الإنجاز، وبالمشاعر قبل الدرجات، ليس ترفًا تربويًا، بل هو أحد مقومات المدرسة التي تريد أن تصنع أثرًا مستدامًا.

الطالب … لا تنظروا إلى الدرجات وتنسوا الإنسان

في سعينا لتحقيق التفوق، قد ننسى أحيانًا أن خلف كل درجة طالبًا له مشاعر، وخلف كل نتيجة قصة، وخلف كل تعثر احتياجًا قد لا يكون أكاديميًا.

ليس كل طالب متراجعًا في دراسته كسولًا، وليس كل طالب متفوق خاليًا من الضغوط.
قد يحتاج أحدهم إلى كلمة تشجيع، وآخر إلى من يسمعه، وثالث إلى من يساعده على اكتشاف قدراته، ورابع إلى أن يشعر للمرة الأولى أن هناك شخصًا يؤمن به.

وهنا تتكامل أدوار المعلم والمرشد النفسي ومدير المدرسة والأسرة؛ والطالب مسؤولية مشتركة، ونجاحه الحقيقي لا يقاس بدرجاته فقط، وإنما بما يكتسبه من ثقة بالنفس، وقدرة على مواجهة الحياة، وشعور بالانتماء والأمان.

المعلم … من يصنع الأثر إلى من يدعمه

المعلم هو أحد أهم مصادر الأمان النفسي داخل المدرسة ، وليس المطلوب من المعلم أن يبدأ العام الدراسي بمنهج جديد فحسب ،بل أن يبدأه بقلب مستعد لصناعة أثر جديد ويستشعر أنه الصانع الأول للأجيال وأن الصف الدراسي هو المصنع الذي تبنى فيه العقول ،وتصقل فيه الشخصيات ، وتغرس فيه القيم ، وترسم فيه ملامح المستقبل .
كلمة منه قد تفتح نافذة أمل في قلب طالب، وموقف بسيط منه قد يغيّر نظرة طالب إلى نفسه ومستقبله.
لكن المعلم أيضًا إنسان.
يحتاج إلى التقدير، والإنصات، والدعم، والشعور بأن جهده مرئي ومقدّر.
لذلك فإن رفاه المعلم النفسي ليس أمرًا ثانويًا، بل هو استثمار مباشر في جودة التعليم والمناخ المدرسي.

مدير المدرسة … قائد المدرسة وحامل أعبائها

وعند الحديث عن المدرسة، لا يمكن أن نغفل الدور المحوري الذي يقوم به مدير المدرسة.
مدير المدرسة ليس مجرد مسؤول عن تطبيق الأنظمة ومتابعة الحضور والانصراف والخطط والتقارير، بل هو قائد يقف في منتصف دائرة واسعة من المسؤوليات؛ بين احتياجات الطلاب، وتطلعات أولياء الأمور، ومتطلبات المعلمين، والأنظمة والتعليمات، والمؤشرات، والأزمات اليومية التي قد تظهر في أي لحظة.

وغالبًا ما يُطلب من مدير المدرسة أن يكون داعمًا للجميع، وأن يمتلك دائمًا القدرة على احتواء المشكلات واتخاذ القرارات، وأن يحافظ على هدوء المدرسة مهما كانت الضغوط.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه:
من يدعم مدير المدرسة ؟

كما نطالب مدير المدرسة بأن يهتم بالصحة النفسية للطلاب والمعلمين، يجب أن تحظى صحته النفسية ودعمه المهني والإنساني باهتمام الجهات المسؤولة.

فالقائد الذي يحمل أعباء المدرسة يحتاج هو الآخر إلى بيئة داعمة، وإلى قنوات واضحة للاستشارة والمساندة، وإلى تقدير حقيقي للجهود، وإلى مساحات للتفريغ النفسي والتطوير المهني.
إن دعم مدير المدرسة لا يعني تخفيف المسؤولية عنه، بل يعني تمكينه من أداء مسؤوليته بكفاءة واستدامة.
فالمدير المستنزف نفسيًا قد يستطيع أن يستمر، لكنه لن يستطيع دائمًا أن يقود بالطاقة نفسها.

ولهذا فإن الاستثمار في مديري المدارس يجب ألا يكون فقط من خلال التدريب على الإدارة والقيادة، وإنما من خلال برامج تعنى أيضًا بالرفاه النفسي، وإدارة الضغوط، والمرونة النفسية، والتعامل مع الأزمات، وبناء التوازن بين المسؤولية المهنية والإنسانية.
ووجود خطة استعداد وتهيئة للمدير مع بداية كل عام دراسي جديد وتكون من ضمن أهدافها تعزيز السعادة الوظيفية ، ولا نغفل مدى أهمية اللقاءات الترحيبية التي تجمع بين التقدير ، والتحفيز ، والقيادة ،التي تترك أثر إيجابي . .

الأسرة … شريك في صناعة بداية آمنة

العودة المدرسية قد تكون مصدر حماس لبعض الأبناء، ومصدر قلق الآخرين.
وهنا يأتي دور الأسرة في صناعة بداية أكثر هدوءًا.
لنستبدل عبارات المقارنة والضغط بعبارات الدعم والتشجيع.
ولنسأل أبنائنا: كيف تشعرون؟
قبل أن نسأل: كم حصلتم؟
ولنمنحهم رسالة واضحة بأن قيمتهم لا تتحدد بدرجة، وأن التعثر ليس نهاية الطريق، وأن المدرسة مساحة للتعلم والنمو والمحاولة، وليست محكمة لإصدار الأحكام.

المدرسة … بيئة آمنة نفسياً قبل أن تكون بيئة تعليمية

المدرسة الناجحة ليست التي تحقق نتائج أكاديمية مرتفعة فقط، وإنما التي يشعر فيها الطالب بأنه مرئي، ومسموع، ومحترم، وآمن.
هي المدرسة التي يعرف فيها الطالب إلى من يلجأ عندما يواجه مشكلة.
وهي المدرسة التي يجد فيها المعلم من يستمع إليه عندما يواجه ضغطًا.
وهي المدرسة التي يُمنح فيها مديرها الدعم والثقة والأدوات التي تساعده على القيادة.
وهنا تظهر أهمية التكامل الحقيقي بين الإدارة المدرسية والإرشاد النفسي والمعلمين والأسرة والجهات التعليمية المسؤولة.
فالصحة النفسية ليست مسؤولية المرشد وحده، والانضباط ليس مسؤولية المدير وحده، والتحصيل ليس مسؤولية المعلم وحده.
إنها مسؤولية منظومة كاملة.
فلنبدأ بسؤال مختلف
مع بداية هذا العام الدراسي، ربما نحتاج جميعًا إلى أن نغيّر بعض الأسئلة.
بدل أن نسأل فقط: ماذا سنعلّم أبناءنا؟
لنسأل: ماذا نريد أن نُشعر أبناءنا داخل مدارسنا؟
هل نريدهم أن يشعروا بالأمان؟
بالانتماء؟
بالثقة؟
بأن الخطأ فرصة للتعلم؟
وبأن هناك من يؤمن بقدراتهم حتى عندما يشككون هم في أنفسهم؟
إن العودة للمدارس فرصة لنبدأ من جديد، ليس فقط بخطط ومناهج وأهداف، وإنما بقلوب أكثر وعيًا بالإنسان.
فلنجعل هذا العام عامًا لا نبحث فيه عن الطالب المتفوق فقط، بل عن الطالب الذي استعاد ثقته بنفسه، واستكشف ذاته .
لا نبحث فيه عن المعلم المنجز فقط، بل عن المعلم الذي يؤمن برسالته ، ويعمل بحب على تحقيقها.
ولا نطلب من مدير المدرسة أن يكون قويًا طوال الوقت، بل أن نوفر له البيئة التي تساعده على أن يبقى قويًا دون أن يُستنزف.
فالتعليم في جوهره ليس كتبًا ودرجات واختبارات فقط…
التعليم استثمار إنسان.
وكل عام دراسي جديد هو فرصة جديدة لنصنع أثرًا في إنسان قد يحمل هذا الأثر معه طوال حياته.
فلتكن عودتنا للمدارس… عودةً للحياة.

التعليقات (٢٠) اضف تعليق

  1. ٢٠
    زائر

    طرح مميز أ. ثريا
    ولو قرأه كل منسوب في التعليم لأصبح طلابنا اكثر شوقا للتعليم بدل أن يبحث ابنائنا في التقويم عن مواعيد الاجازة القادمة

  2. ١٩
    عادل

    مقال رائع ومفيد جداً استاذة ثريا
    شكراً لكِ على هذا الطرح الجميل والمتميز.

  3. ١٨
    زائر

    ماشاء الله طرح موفق كعادتك أستاذة ثريا بارك الله فيك وجعلك مباركة أينما كنتِ🌹

  4. ١٧
    الاسم (اختيارى)

    طرح جميل وعميق

  5. ١٦
    زائر

    طرح مميز يؤكد أن المدرسة الآمنة نفسيا هي البداية الحقيقية للتعلم والإنجاز وصناعة

    الأثرشكرا للأستاذة ثريا على هذا القلم الواعي

  6. ١٥
    زائر

    مقال جميل يحمل في محتواه مسؤلية هيكل. متكامل جميع عناصره تعد أسره للطالب. سواء المنزل. او مدير المدرسه. او المعلم وفقهم الله وجعل الله منهم ثمره صالحه لأنفسهم وللوطن

    منيره الموينع .

  7. ١٤
    زائر

    مقال مميز يستحق التوقف عنده والتأمل

  8. ١٣
    باسمة الدعجاني

    الاهتمام بالطالب والمعلم والقائد، وتعزيز الأمان والانتماء والدعم النفسي، هو استثمار في جودة التعليم وصناعة الأثر المستدام. طرح جميل وواعٍ، شكرًا للكاتبة على هذا الطرح الإنساني والتربوي.

  9. ١٢
    زائر

    كلام جميل ورائع 👍 يستحق التأمل والأخذ به .
    جزاك الله خير الجزاء وجعلها في ميزان حسناتك 🌹
    اختك/ نعيمه الشمري

  10. ١١
    زائر

    أبدعتِ أ. ثريا في طرحك الجميل «العودة للمدرسة.. عودة للحياة»، فقد لامستِ في كلماتك معنى يتجاوز مجرد العودة إلى مقاعد الدراسة، لتجسدي المدرسة بوصفها نبضًا للحياة، وميدانًا لصناعة الأثر، وبناء الإنسان، وصناعة المستقبل.
    محتوى ثري يحمل بين سطوره مشاعر الميدان التربوي، ويستحضر قيمة المدرسة ودورها في إشعال شغف التعلم، وتجديد الهمم، وعودة العطاء بعد انقطاع.

    كل الشكر والتقدير لكِ على هذا الطرح الراقي، الذي أعاد للعودة المدرسية معناها الحقيقي: عودة
    للحياة، والعطاء، والأمل.

    • ٨
      زائر

      عوداً حميداً للجميع
      الله يرزقنا الإخلاص وحسن العمل وطيب الأثر ويعننا على إداء الأمانة على الوجهِ الذي يرضيه عنا ،،، بالتوفيق بارك الله في جهودك 🤍

  11. ٧
    زائر

    عبارة «من يدعم مدير المدرسة؟» توقفت عندها طويلًا؛ لأنها تختصر احتياجًا حقيقيًا قد لا يراه الكثيرون

  12. ٦
    زائر

    مقال لامس جانبًا مهمًا كثيرًا ما نغفل عنه مع بداية العام الدراسي… الإنسان قبل الإنجاز.أجمل ما فيه أنه لم ينظر للطالب وحده، بل أنصف المعلم ومدير المدرسة والأسرة، وذكّرنا
    بأن الصحة النفسية مسؤولية الجميع
    شكراً من الاعماق على هذا الطرح

  13. ٥
    زائر

    «الجوازات»: الهوية الرقمية لإثبات الهوية داخل المملكة وليست وثيقة سفر
    المؤلف: الواحة نيوز

    جميع التعليقات و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي (الواحة نيوز صحيفة ترصد نبض الأحساء لحظة بلحظة) بل تعبر عن رأي كاتبها.

    2026 جميع الحقوق محفوظة, الواحة نيوز صحيفة ترصد نبض الأحساء لحظة بلحظة

    تصميم خفاجى

    إدارة التطوير مصطفى نصر

  14. ٤
    زائر

    العودة للمدرسة .. عودا حميدا

    • ٣
      زائر

      مقال مميز حمل في طياته عناصر الإنجاز في العملية التربوية والتعليمية،فعليه نقول :
      أيهاالمعلمون ،والمعلمات :
      حفظكم الله،أمانتكم كبيرة ،وعون الله لكم أكبر
      أيها الطلاب،والطالبات:
      وفقكم الله،أنتم الأمل.

      • ٢
        زائر

        مقال هادف نتاول جميع جوانب العملية التعليميه والتربويه والوقوف على النقاط المهمة لنجاح كل الكوادر التعليميه في المدرسة وحاجتهم للدعم المادي والمعنوي بارك الله فيك وعودا حميدا

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>