تُعد التربية في العصر الحالي أحد أكبر التحديات التي تواجه الوالدين موازنةً بين القيم والانفتاح الرقمي. ولتفكيك هذه المعادلة، التقت صحيفة “الواحة نيوز” بالأخصائية الاجتماعية والمؤلفة جوهرة بنت فؤاد المطر، لتسليط الضوء على مفهوم “التربية الحديثة”، وكيفية بناء جيل واعٍ ومسؤول دون إفراط أو تفريط.
فلسفة الحزم وضوابط العقاب المقبول
أكدت الأخصائية جوهرة المطر أن التربية الصحيحة تبدأ من بناء جسور الثقة والاحتواء، محذرة من أن أسلوب التخويف يحقق انصياعًا مؤقتًا وزائفًا ينتهي بمجرد غياب الوالدين، كما أن الصراخ والمبالغة في العقاب يدفعان الطفل إلى التكتم وإخفاء الحقيقة.
وأوضحت أن التعامل مع الطفل العنيف وسريع الغضب أو العنيد يجب أن يستند إلى الهدوء وفق قاعدة: “العنف مرفوض.. لكن الطفل نفسه غير مرفوض”؛ وذلك عبر تقصي أسباب العناد، وتزويد الطفل بسلوكيات بديلة، وتطبيق نتيجة منطقية وحازمة ترتبط مباشرة بالسلوك الخاطئ دون الدخول في صراع مباشر معه.
واشترطت المطر في العقاب التربوي ألا يترك أي أثر نفسي أو جسدي سلبي، وأن يتوفر فيه ثلاثة ضوابط:
1- أن يكون مرتبطًا بالحدث فورًا بهدف التوجيه (كالحرمان المؤقت من ميزة معينة).
2- اقترانه بشرح سبب العقاب بوضوح للطفل ليستوعب الدرس.
3- فرز النقد المجتمعي الخارجي وتجاهل السلبي منه، فالقرار التربوي مسؤولية الأب والأم حصراً.
طيف التوحد.. التدخل المبكر والتأهيل لمدارس الدمج
وشددت المطر على أهمية التدخلات المبكرة للأطفال من ذوي طيف التوحد فور اكتشاف الإصابة لتأهيلهم لمدارس الدمج ومحاكاة الأقران، موضحة أن أبرز التدخلات تركز على: تنمية مهارات التواصل الاجتماعي وتبادل الأدوار، والتعبير عن الاحتياجات، وتنظيم السلوك بتقديم بدائل إيجابية. وطالبت الأسر باستيعاب الفروق الفردية لتنمية مهارات الطفل الخاصة والابتعاد تمامًا عن فخ المقارنة بالآخرين.
التوازن التربوي وبناء استقلالية الطفل
وفنّدت الأخصائية التصورات الشائعة التي تربط التربية الحديثة بالتدليل، مؤكدة أنها توازن ذكي بين الحزم والاحتواء. وحذرت من أن المبالغة في الحماية والرعاية تولد لدى الطفل شعورًا زائفًا بالفوقية يعيق اندماجه اجتماعيًا.
وفي السياق التعليمي، شددت على رفض الإجبار على حل الواجبات في المراحل المبكرة، واستبداله بطرق تحفيزية وتعزيز إيجابي مشروط بالإنجاز. وأن بناء طفل مستقل يكمن في تدريبه على تحمل مسؤولية نفسه عبر خيارات بسيطة (كاختيار ملابسه)، ومراقبته عن بُعد ليتعلم الثقة بالنفس عبر تحمل العواقب البسيطة لقراراته.
المسؤولية التشاركية وأثر الأسرة الممتدة
ووصفت المطر الاعتقاد بأن مسؤولية التربية تقع على عاتق الأم وحدها بالخاطئ، مؤكدة أنها مسؤولية تشاركية متوازنة بين الأب والأم، وأن غياب أحدهما يسبب فجوة يفقد معها الطفل شعور الاحتواء.
وعن أثر الأسرة الممتدة (الأجداد والأقارب)، أفادت بأنها سلاح ذو حدين؛ فهي إيجابية عندما تمنح الطفل احتواءً عاطفيًا إضافيًا، وسلبية إذا تسببت في تشتته نتيجة تناقض القوانين بين حزم طرف وتدليل طرف آخر، وهنا يأتي دور الوالدين في تنظيم التعامل بمرونة وحكمة.
إدارة الفضاء الرقمي والوقاية من التنمر
وصرحت المطر بأن منع الأطفال من الأجهزة الإلكترونية تمامًا أمر مستحيل، والبديل هو “التوعية والتقنين” لتجنب أضرارها كأزمة تأخر النطق، والانعزال، والسمنة. وأكدت أن الحماية الرقمية تتطلب حوارًا أسريًا دائمًا، وتفعيل أدوات الرقابة الأبوية وحجب المواقع غير المناسبة دون إشعار الأبناء بالتجسس غرسًا لوازع الرقابة الذاتية.
وفي مواجهة التنمر، دعت إلى تفعيل “الهدف الوقائي” بصناعة مساحة آمنة للطفل داخل المنزل، وتدريبه على مواقف محاكاة تمنحه مهارة استخدام كلمات حاسمة مثل “لا” و”توقف”، مشيرة إلى أن دور المدرسة تكاملي يندمج مع الأسرة لبناء الشخصية.
مؤشرات الاستشارة النفسية وكسر الوصمة
وحددت المطر علامات واضحة تؤكد حاجة الطفل لزيارة الأخصائي النفسي، ومن أبرزها: جنوح الطفل المفاجئ نحو العزلة، التأخر الملحوظ في النطق، التوقف المفاجئ عن الطعام، والتصاعد الحاد في سلوكيات العنف.
ونبهت إلى أن مراجعة العيادة النفسية دليل على وعي الأهل ونضجهم لكسر الوصمة المجتمعية، مؤكدة أن التدخل المبكر يرفع جودة حياة الأسرة واستقرارها. وفي حال اكتشاف الأم متأخرًا ضعف ثقة طفلها بذاته، دعتها لتقبل الواقع والبدء الفوري في تعزيز نقاط قوته ومنحه مسؤوليات ذاتية.
الرسالة الختامية: التربية توازن لا كمالية
وفي رسالة طمأنينة وجهتها لكل أسرة، قالت المطر: “طفلك لا يحتاج إلى والدين كاملين يمتلكان صفات مثالية بنسبة 100%، فالتربية ليست اختبارًا تعجيزيًا، بل هي رحلة ممتدة نتعلم ونكتسب فيها خبرات جديدة كل يوم”.
ودعت الأمهات إلى تجنب “الاحتراق التربوي” الناتجة عن السعي خلف سراب الكمال وجلد الذات، مؤكدة أن الطفل بحاجة إلى “أهل واعين” يحسون بالاستماع إليه ويحترمون خياراته؛ لأن ما يُزرع في الطفل اليوم هو السلوك والصوت الذي سنسمعه منه غدًا.
وطالبت في الختام بالالتزام بـ “التوازن والاعتدال” وتجنب الإسراف في التدليل أو البخل العاطفي، كونه السر الأوحد للنجاح المستدام في التربية.