لا شيء يُبدد هدوء البيت وصفاء جوِّه، ويُربِك الوالدين ويُعكر صفوهما أكثر من صراخ طفل صغير بعبارة “لا” في وجه كل طلب بسيط، ويصرّ على موقفه مهما حاولوا إقناعه. في مثل هذه اللحظات يحتار الوالدان ويتساءلان: هل هذا التصرف من طفلهم طبيعي؟ أم أنه أصبح عنيدًا؟
الحقيقة أن العناد ليس مجرد تحدٍّ لسلطة الوالدين، بل هو أحد مظاهر النمو النفسي التي تعبِّر عن رغبة الطفل في الاستقلال واختيار العالم من حوله.
لكن بين عناد عَفَوي يعكس نمو الطفل، وسلوك متكرر يزرع التوتر داخل الأسرة، يجد الوالدان أنفسهم في موقف صعب: كيف يمكن التعامل مع العناد بحكمة دون فقدان السيطرة أو المساس بشخصية الطفل وكرامته؟
من المواقف اليومية المتكررة في كثير من البيوت، كتلك القصة التي تبدأ في صباح شتوي بارد، حين استيقظت الأم الحنون ريمان مبكرًا، كعادتها، لتحضير ابنها زياد ذي الخمس سنوات للذهاب إلى الروضة.
فتحت الأم خزانة ابنها وأخرجت له سِترةً صوفيةً وسروالًا دافئًا، ثم اقتربت منه بابتسامة قائلة:
” هيّا يا زياد، ارتدٍ هذه الملابس، فالجو باردًا هذا اليوم”
لكن زياد، ما إن رأى الملابس، حتى عقد حاجبيه وصرخ بغضب:
” لا، لا أريد هذه الملابس! أريد تيشيرت سبايدر مان!”
حاولت ريمان التحدث معه بلطف وإقناعه بأن التيشيرت خفيف ولا يناسب برودة الجو، لكن زياد أصرّ على رأيه. بدأ صوته يعلو شيئًا فشيئًا، وضرب برجليه على الأرض، رافضًا الاستجابة.
رغم محاولات التهدئة المتكررة، ظل زياد متمسكًا بخياره بإصرار لا يتناسب مع الموقف ….. لكنه يتناسب تمامًا مع عناد طفل صغير يحاول إثبات نفسه.
كيف يمكن لريمان أن تتعامل مع عناد ابنها زياد بطريقة تربوية حكيمة، تحافظ من خلالها على شخصيته وكرامته’ وتحميه في الوقت نفسه من قسوة برد الشتاء؟
للإجابة على هذا السؤال، لابد أولًا من التعرف على مفهوم العناد عند الأطفال، ومتى يُعَد سلوكًا طبيعيًا ومتى يتحول إلى مشكلة تستدعي التدخل. كما يجدر بنا أن نسأل: لماذا يعاند الطفل أصلًا؟ وما الأخطاء التربوية الشائعة التي قد تزيد من حِدّة عناده؟ وأخيرًا، ما الأساليب الفعّالة التي تساعد الوالدين على التعامل مع هذا السلوك بوعي واحتواء؟
يقصد بالعناد:
هو رفض الطفل القيام بما يُطلب منه، أو إصراره على فعل ما يُنهى عنه، بشكل متكرر. وفي بعض الأحيان بدون مبرر واضح.
يظهر سلوك العناد عند الطفل بشكل طبيعي في مراحل عمرية معينة، خصوصًا بين سن ٢- ٦ سنوات، وفي الغالب هو عناد تطوري مؤقت، يعكس بداية وعي الطفل بنفسه ورغبته في اتخاذ القرار. لكن إذا استمر بشكل مفرط أو صاحبه سلوك عدواني، هنا يكون مرضيًا ويحتاج إلى تدخل تربوي.
لماذا يعاند الطفل؟
ترجع أسباب العناد إلى عدة أسباب منها:
١- الرغبة في الاستقلال:
عندما يبدأ الطفل بإدراك أنه كيان مستقل، يحاول إثبات ذلك بالرفض والمقاومة.
٢- الشعور بالإهمال:
يستخدم الطفل العناد كوسيلة لجذب الانتباه.
٣- التمرد على السُّلطة:
إذا كان الوالدان شديديّ التحكم أو يستخدمون الأوامر بكثرة، يرفض الطفل الاستجابة.
٤- الغيرة أو المنافسة:
عند وجود إخوة آخرين، يستخدم الطفل العناد للتمرد على شعور داخلي بالغيرة.
أخطاء تربوية تؤدي إلى زيادة العناد:
١- الأسلوب السلطوي في التربية:
كثرة التوجيهات، القسوة، أو الصراخ تجعل الطفل عنيدًا كرد فعل دفاعي.
٢- الدلال الزائد:
إذا اعتاد الطفل أن يُلبّى له كل طلب، يرفض الرفض لاحقًا.
٣- تناقض التربية بين الوالدين:
عندما يُعطي أحد الوالدين أمرًا ويخالفه الآخر، يتعلم الطفل التحدي والمقاومة.
٤- تقليد سلوك الكبار:
إذا رأى الطفل الكبار يعاندون، يقلد هذا السلوك دون وعي.
الطرق الفعّالة للتعامل مع عناد الطفل:
١- الحوار بهدوء واحترام:
التحدث مع الطفل وفهم وجهة نظره قبل فرض الرأي عليه.
٢- الثبات في الموقف مع الحنان:
عدم التراجع عن قراراتك المتخذة مع الطفل تحت الضغط، لكن دون قسوة.
٣- الابتعاد عن المقارنة والتوبيخ:
لا تقارن الطفل بإخوانه أو أقرانه، فكل طفل له طبيعته الخاصة.
٤- إعطاء مجموعة من الخيارات:
بدلًا من الأوامر المباشرة، اجعل للطفل دورًا في اتخاذ القرار.
٥- مكافأة السلوك الإيجابي:
مدح الطفل عندما يتعاون مع الآخرين، فهذا يعزز التصرفات الجيدة.
بعد أن تعرّفت ريمان على أسباب العناد وطرق التعامل التربوي السليم مع ابنها، تغيّر أسلوبها في التعامل مع المواقف اليومية، ففي موقفها السابق معه، لاحظت أن المواجهة المباشرة مع ابنها زياد، وزيادة الضغط عليه، لا تؤدي إلا إلى مزيد من العناد والأصرار عليه.
لذلك، قررت أن تتعامل معه بهدوء وحكمة. فجلست بجانبه، ونظرت إليه بلطف، وقالت مستخدمة أسلوب الحوار واحترام الرغبة:
” حبيبي، أعلم أنك تحب سبايدر مان كثيرًا، فما رأيك أن تأخذ التيشيرت معك في الحقيبة، لكن ترتدي الجاكيت الآن حتى لا تمرض؟”
تردد زياد قليلًا، وفكر في الأمر، ثم قال:
“طيب…. بس لازم ألبسه لما نوصل”
ضحكت الأم، ووافقت بابتسامة، ليخرج زياد وهو يشعر بأنه مُنح حرية الاختيار، وتم احترام رأيه، وفي الوقت نفسه تم حمايته من برد الشتاء.
في تلك اللحظة، أدركت ريمان درسًا ثمينًا:
ليس كل عنادٍ تحديًا أو تمردًا، بل قد يكون مجرد محاولة من الطفل لإثبات ذاته، والشعور بأن له رأيًا يُحترم.
يبقى العناد جزءًا من مراحل النمو، لا ينبغي مواجهته دائمًا بالغضب أو الشدة. فغالبًا ما تخفي كل عبارة “لا” ينطق بها الطفل رغبة في لفت الانتباه أو إثبات الذات. ومن خلال الحب، والصبر، والحكمة، يمكننا تحويل هذا السلوك من تحدٍّ مزعج إلى فرصة ثمينة لفهم الطفل ومساعدته على بناء شخصية واثقة ومتزنة.
المراجع:
العيسوي، عبدالرحمن. ( ١٩٩٩). مشكلات الأطفال النفسية والسلوكية وطرق علاجها. دار العلوم العربية.
زهران، حامد عبدالسلام. (٢٠٠٥). علم نفس النمو: الطفولة والمراهقة. القاهرة، عالم الكتب.
حجازي، عبدالله. ( ٢٠٠٧). كيف تتعامل مع الأطفال؟. الرياض. وكتبة العبيكان.