ماذا لو همس لك أحدهم بأن استكانة الشاي الحار التي تمسكها هذا المساء تحمل قانونًا فيزيائيًا يشبهك أكثر مما تتصور؟ كيف ستشعر لو أخبرك آخر بأن سرّ صمودك أمام تقلبات الحياة يمكن أن تجده في قانون فيزيائي؟ وأن الحكمة ليست بعيدة عنك، بل تكمن في تفاصيل حياتك اليومية، وتستند إلى منطق يمكن ملاحظته في الواقع.
تأملت مؤخرًا حقيقة بسيطة لكنها مدهشة: عندما تمتلئ استكانة الشاي حتى الحافة، تحتفظ بحرارتها لفترة أطول. أما إذا كانت نصف ممتلئة، فإنها تبرد بسرعة أكبر. فيزيائيًا، يفسّر ذلك ما يُعرف بالسعة الحرارية (Heat Capacity). فكلما زادت كمية الشاي، زادت الطاقة الحرارية المختزنة فيه، وأصبح فقدان الحرارة أبطأ. كما أن نسبة السطح الملامس للهواء تكون أقل مقارنة بحجم السائل، فتظل الاستكانة محتفظة بدفئها مدة أطول. أما عندما تكون الاستكانة نصف ممتلئة، فإن الحرارة المخزنة فيها تصبح أقل. وجود كمية أقل من السائل، يُسرّع من عملية التسرب الحراري، ويجعل الهواء المحيط أكثر قدرة على سحب هذا الدفء في وقت أقصر. بعبارة أخرى، كلما قلّ ما في الاستكانة من شاي، قلّ مخزونها من الدفء، فأصبحت أكثر تأثرًا بما حولها وفقدت حرارتها بسرعة أكبر.
بينما كنت أتأمل هذه الحقيقة الفيزيائية البسيطة، أدركت أن بعض قوانين الطبيعة لا تفسّر حركة المادة فحسب، بل تكشف لنا أيضًا أنماطًا مشابهة في حياتنا الداخلية. ولعل استكانة الشاي الحار تمنحنا عدسة جديدة لفهم ذواتنا وطريقة تفاعلنا مع الحياة. فكلما زاد المخزون الداخلي، تباطأ معدل الفقد عند التعرض للمؤثرات الخارجية. ولكن، ما الذي يملأنا تحديداً ويمنحنا هذا الدفء؟
بظني، مخزوننا الداخلي ما هو إلا رصيد حيوي يتفاعل كعناصر الفيزياء في استكانة الشاي؛ فعندما يكون الإنسان ممتلئًا من الداخل بالمعنى، والإيمان، والقيم، مستثمرا في موارده النفسية مثل الأمل والمرونة والثقة، ومدعوما بعلاقات إيجابية تعزز مكامن قوته وازدهاره وصحته، فإنه بذلك يمتلك رصيدًا داخليًا وخارجيًا متكاملا يساعده على الاحتفاظ بدفئه النفسي والروحي لفترة أطول ، خاصة عندما تشتد الظروف الخارجية. وفي المقابل، كلما قلّ هذا المخزون أو ضعف هذ الرصيد، ضعفت معه قدرة الإنسان على مقاومة الضغوط الخارجية، وأصبح أكثر عرضة للتأثر السريع بما يحدث حوله.
نعم، في النظام الفيزيائي،استكانة الشاي تتأثر تدريجيًا مع تغيّر الظروف المحيطة، دون أن تملك قدرة على تغيير البيئة من حولها. لكن في واقعنا الإنساني، لا يمكن أن نكون طبق الأصل منها ،أو أن تكون مرآة لنا!
تلتفت الآن حولك، أو انظر إلى استكانة الشاي الحار التي بين يديك. بالطبع، يظل واقع هذه الاستكانة مجرد عدسة أولية نطلّ من خلالها على أنفسنا؛ لندرك بأننا نملك الإرادة، وأننا أكثر تفاعلاً وحركة. إنها معلم كريم، يذكرنا في كل مرة بما نملكه بين أيدينا وفي أعماقنا، وبدورنا الذي لا يقتصر على التأثر بالظروف، بل يمتد إلى قدرتنا الفريدة على التفاعل معها والتأثير فيها أيضًا؛ فصمودنا قصة تفاعل دائم بين الداخل والخارج، وسعة الامتلاء تتمدد وتضيق بمدى وعينا بذواتنا وبمحيطنا، وبخياراتنا.

د. هاجر خليفه السلطان
جامعة الملك فيصل