في رحاب جبل القارة، أحد أبرز المعالم التاريخية والثقافية في الأحساء، أقامت جمعية فتاة الأحساء التنموية الخيرية أمسية “شَكَّة مشموم” في فعالية جمعت بين عبق التراث وروح المكان، وقدّمت نموذجًا يعكس أهمية المحافظة على الهوية الوطنية والموروث الثقافي بوصفهما جزءًا أصيلًا من مسيرة التنمية المستدامة.
لم تكن الأمسية مجرد احتفاء بالمشموم الحساوي، بل مساحة لاستحضار ذاكرة المجتمع الحساوي، والتأكيد على أن التراث ليس مجرد ماضٍ نحتفظ به في الصور والحكايات، بل هو امتداد حيّ للهوية، ومرآة تعكس علاقة الإنسان بمكانه وتاريخه وقيمه.
وقد جاءت هذه الفعالية امتدادًا لدور جمعية فتاة الأحساء التنموية الخيرية في دعم المبادرات المجتمعية والثقافية، وتعزيز حضور التراث المحلي ضمن البرامج والأنشطة التي تسهم في رفع الوعي بأهمية المحافظة على الموروث الثقافي وربطه بالتنمية المجتمعية والاقتصاد الثقافي بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وحملت أمسية “شَكَّة مشموم” رسالة تتجاوز الجوانب الجمالية للمشموم، لتؤكد مكانته بوصفه رمزًا اجتماعيًا وثقافيًا متجذرًا في وجدان المجتمع الحساوي، فالمشموم ارتبط بالمناسبات والبيوت والمجالس القديمة، وحمل ذاكرة الأمهات والجدات، وأصبح جزءًا من المشهد اليومي الذي يعكس البساطة والجمال والكرم الحساوي الأصيل.
وفي الأحساء، لا يُنظر إلى التراث على أنه شيء جامد ينتمي للماضي فقط بل باعتباره موردًا ثقافيًا وتنمويًا يمكن استثماره بطرق حديثة تسهم في دعم الاقتصاد الثقافي وتعزيز التنمية المحلية، وقد أثبتت الأحساء قدرتها على ذلك من خلال العديد من النماذج الوطنية الرائدة التي نجحت في تحويل التراث إلى عنصر فاعل في التنمية والحضور الثقافي.
كما أن القطاع غير الربحي اليوم يؤدي دورًا محوريًا في حماية الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء الثقافي، من خلال المبادرات التي تربط المجتمع بجذوره، وتفتح في الوقت ذاته آفاقًا جديدة للاستثمار الثقافي والاجتماعي.
ومن هذا المنطلق فإن الطموح نحو تطوير المشموم الحساوي وتحويله إلى منتج ثقافي وتنموي يحمل هوية الأحساء يُعد خطوة مهمة نحو استدامة هذا الإرث، وفتح مجالات جديدة تدعم التنمية المحلية وتمكّن المهتمين بالتراث والحرف الثقافية.
إن الأمم تُعرف بتاريخها وتزدهر حين تنجح في المحافظة على جذورها بالتوازي مع مواكبة التطور والأحساء بما تمتلكه من عمق حضاري وإنساني تمثل نموذجًا وطنيًا ملهمًا استطاع أن يحافظ على أصالته، وفي الوقت ذاته يواكب التنمية بثقة ووعي.
ويبقى التراث مسؤولية مشتركة، تبدأ من الوعي بقيمته، وتمتد إلى دعمه والمحافظة عليه وتطويره، ليظل حاضرًا في الذاكرة، وفاعلًا في بناء المستقبل.
“رائعة كعادتكِ يا فاطمة.. كلماتكِ عطّرت المقال كما يعطّر المشموم الحساوي مناسباتنا. شكراً لأنكِ سلطتِ الضوء على هذا الموروث الأصيل، وكل التحية والتقدير لجمعية فتاة الأحساء على جهودها المباركة ومبادراتها التي تربط المجتمع بهويته الوطنية وتثري المشهد الثقافي.”