احدث الأخبار

د.فاطمة المُلا تكتب: كيف صاغت الأحساء قلوب الحجيج ودربهم؟

التعليقات: 0
د.فاطمة المُلا تكتب: كيف صاغت الأحساء قلوب الحجيج ودربهم؟
https://wahhnews.com/?p=103267
د.فاطمة المُلا تكتب: كيف صاغت الأحساء قلوب الحجيج ودربهم؟
الواحة نيوز

لم يكن الحج قديماً مجرد شعيرة دينية تُؤدى في أيام معدودات بل كان رحلة العمر التي تُخاض لأجلها الأهوال، وتُذرف عند عتباتها دموع الوداع والرجاء، وفي هذا المشهد الإيماني المهيب برزت واحة الأحساء كشريان حياة نابض فلم تكن مجرد جغرافيا يمر بها العابرون، بل كانت وطناً مؤقتاً يحتضن القلوب اللهفة، وواحة غَنّاء تروي ظمأ الأبدان والأرواح قبل الانطلاق إلى بكة، وقبل أن تطوي الطائرات والقطارات المسافات، كان طريق الحج لوحة مرسومة بالصبر والمشقة، حيث كانت الأحساء تمثل المحطة الرئيسية لدرب الحج البصري واليمامي وفي واحاتها تلتقي قوافل القادمين من شرق العالم الإسلامي كبلاد فارس والهند وعُمان وإقليم البحرين القديم، وكان الحجاج يسيرون في جماعات كبرى تُعرف بالمحمَّل يقودها أدلاء خبراء بمجاهل الصحراء، يتتبعون آبار المياه ومنازل الاستراحة في رحلة برية تستغرق شهوراً تحت لهيب الشمس وقسوة البرد، يتحدون فيها عوادي الزمن وضراوة الطبيعة.

وعندما كانت تلوح نخل الأحساء في الأفق، كان الحجاج يتنفسون الصعداء لأن الوصول إلى الواحة يعني الأمان والراحة، وتجلى دور أهالي الأحساء في هذه الرحلة بصور إنسانية عظيمة حيث كانت القوافل تُموَّن بأجود ما تجود به الأرض الحساوية من تمور كالإخلاص والأرز الحساوي والماء العذب المستخرج من عيونها الجارية، ولم يعرف التاريخ الحساوي الفنادق قديماً، بل كانت المجالس والبيوت والمزارع تُفتح بالمجان، ويتسابق الأهالي ويوثرون الحجاج على أنفسهم تكريماً لوفد الله، ولم تكن الأحساء تعزل نفسها عن العالم بل كانت بوابته الشرقية نحو المشاعر المقدسة، فاستقبلت حجاج الهند وآسيا القادمين عبر البحر من خلال موانئ العقير والقطيف، لتُعاد تهيئتهم وتأمين الدواب والزاد لهم، وتحول سوق القيصرية التاريخي إلى ساحة تبادل ثقافي واقتصادي هائل، حيث كان حجاج الخارج يبيعون بضائعهم الثمينة لشراء مستلزمات طريق الحج، مما صبغ الشخصية الحساوية بمرونة ثقافية فريدة واتسام بالانفتاح والتسامح.

وصاغ الوجدان الحساوي حول الحج شبكة من العادات الاجتماعية التي تفيض بالمشاعر الإنسانية، فكان خروج الحاج يُعلن حالة طوارئ عاطفية في البلدة، ويبدأ بطلب المبرة والوداع حيث يطوف الحاج على بيوت أقاربه وجيرانه طالباً العفو وبراءة الذمة، ثم يخرج الأهالي في موكب مهيب يمشون فيه مع الحجاج إلى أطراف الواحة لتوديعهم، ومع اقتراب موسم الإياب تبدأ الأنظار بالشاخص نحو الأفق، ويتسابق الأطفال إلى مشارف البلدة لترقب القافلة، ومَن يلمحها أولاً يركض مسرعاً ليبشر أهل الحاج لينال مكافأته التي تُعرف بالبشارة، وتُقام ولائم القفول والعودة ويجلس الحاج ليوزع الصوغة وهي الهدايا التي جلبها من مكة والمدينة كماء زمزم وسجادات الصلاة والمساويك والحناء والمكسرات التي يفرح بها الصغار، إن قصة الحج في تاريخ الأحساء ليست مجرد ذكريات عابرة، بل هي توثيق حي لشهامة إنسان هذه الأرض وكرمه الفطري، ورغم أن وسائل النقل الحديثة في عصرنا الزاهر قد طوت مشاق الطريق، إلا أن صدى أصوات المحمل وروائح الصوغة ستبقى محفورة في ذاكرة النخيل، شاهدة على أن الأحساء كانت وستظل واحة العطاء ومحطة النور على طريق الإيمان.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>