يخرج عامل من مقر عمله وهو يحمل مخالصة موقعة تفيد باستلامه جميع حقوقه، لكنه يشعر أن توقيعه لم يكن وليد إرادة حرة، بل نتيجة ضغط مباشر أو تهديد بحرمانه من مستحقاته، سواء كان تهديدًا بمنع صرف الراتب أو تأخير مكافأة نهاية الخدمة أو شهادة الخبرة. وعندما يتجه لاحقًا إلى المحكمة، يبرز السؤال القانوني: كيف يمكن إثبات وقوع الإكراه؟
الإكراه، كما عرّفَه النظام السعودي في نظام المعاملات المدنية (المادة 64)، هو: «تهديد شخصٍ دون حقٍّ بوسيلةٍ ماديّة أو معنويّة تُخيفه فتحمله على التصرف»، وهو تعريف يربط الإكراه بالتهديد غير المشروع وبالأثر المباشر على الإرادة، لا بمجرد الشعور بالخوف أو الحاجة، ما يميز الإكراه عن الظروف العادية أو الرغبة الملحة.
ويؤكد نظام الإثبات السعودي (المادة 3) أن «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر»، أي أن عبء إثبات الإكراه يقع على من يدعيه، وهو ما يجعل مسألة الإثبات صعبة في الممارسة العملية، خصوصًا في المجال العمالي والمالي، حيث يكثر الادعاء بالإكراه على توقيع سندات أو إقرارات.
كما أضاف المحامي إبراهيم المهيزع في منصة Xإلى تصنيف حالات الطعن بالإكراه إلى ثلاث مجموعات: الأولى، وجود دليل مباشر وواضح، مثل شهادة شخص شاهد توقيع المخالصة أو اعتراف الطرف الآخر بحدوث الإكراه، وهذه الحالات نادرة جدًا. الثانية،غياب أي دليل أو قرينة، وهنا يُعامل الإقرار أو المستند كما هو، لكن القاضي ينظر إذا كان يتوافق مع الواقع ويفحص الأدلة الأخرى المتاحة. الثالثة، غياب الدليل المباشر لكن توجد مؤشرات قوية على الإكراه، وهي الأكثر شيوعًا في الواقع العملي.
ومن أمثلة هذه القرائن في المجال العمالي: توقيع العامل على مبالغ كبيرة من المال في مخالصة أو سند، في وقت لا توجد فيه معاملات أو تحويلات مالية سابقة بين الطرفين، أو قيام عامل محدود الدخل بالتوقيع على سندات تفيد بحقوق مالية تفوق واقعه المالي. في هذه الحالات، يُنظر إلى غياب المعاملات السابقة أو التناقضات الواقعية كقرينة قوية على أن التوقيع تم تحت ضغط أو تهديد غير مشروع.
تتضح أهمية هذه القرائن أكثر عندما يكون الإكراه غير ملموس جسديًا، وإنما معنوي، مثل تهديد العامل بمنع مستحقاته أو حرمانه من شهادة الخبرة، وهو ما يثبت من الرسائل النصية أو البريدية بين الطرفين، أو شهادة شهود حضروا التوقيع، أو قرائن منطقية تستخلص من الواقع المالي أو الاجتماعي للعامل، مثل مبلغ نقدي كبير في وقت يقل فيه التعامل النقدي المباشر، أو مزاعم شراكة غير منطقية بين عامل محدود الدخل وشريك مالي كبير. وهكذا تصبح هذه القرائن، عند جمعها وتحليلها، وسيلة حقيقية لإثبات الإكراه أمام المحكمة.
ومن هذا المنطلق، فإن إثبات الإكراه ليس مسألة سهلة، والقاضي لا يقبل مجرد الادعاء، بل يبحث عن وقائع وأدلة ملموسة، سواء كانت رسائل مكتوبة، شهادات شهود، أو قرائن قوية منطقية، تدل على أن التوقيع لم يكن حرًا. وفي الختام، يمكن القول إن مسألة إثبات الإكراه تبقى من أصعب القضايا في الممارسة العملية، فالقضاء السعودي لا يلتفت إلى الادعاء وحده، كما أن وجود بينة قوية أو قرائن ملموسة هو ما يصنع الفرق.
بقلم: الأخصائية القانونية بجامعة الملك فيصل عائشة بنت جمال بن عيسى الرحيمان