(الجزء الثاني)
قبل أسبوعين، تحدثت عن تلك “الحساسية الإثنوغرافية” التي تجعل من ممارساتنا العفوية المتكررة مادةً علمية تستحق الدراسة والتوثيق. واليوم، أعود لأشارككم قراءة جديدة لمشاهد حية من نسيجنا الثقافي؛ ولكن هذه المرة من داخل المجالس، وبين فناجين القهوة، العيديات، صحون الشوكولاته، ورائحة العود والبخور.
لم تبدأ قصة العيد في قاعة دراسية، ولا بين صفحات الكتب، ولا حتى في ورقة بحثية، بل بدأت في مشاهد مألوفة متكررة؛ يفيض بعضها بالحياة في واقعنا اليوم، ويسكن بعضها الآخر في حجرات الذاكرة. وإذا كان الهلال قد منحنا إشارة البدء، فإن تفاصيل العيد في مجالسنا تكشف عن مخزون ثقافي يشكل لنا رأس مال رمزي واجتماعي. فالعيد لم يكن بالنسبة لنا مجرد وقت للفرح، بل هو “مدرسة مكثفة” نُترجم عبرها قيم الكرم والصلة و العطاء إلى ممارساتٍ حية.
إنَّ ذاك الانغماس الحسي في رائحة البخور المختلطة بعبق القهوة، ومذاق الهيل، وحلاوة المعمول، وملمس العيدية في أكف الصغار، وصولاً إلى هيبة الثياب الجديدة وصوت التكبيرات..كلها ليست مجرد مظاهر معتادة، بل هي قنوات رئيسية تجسد عاطفتنا و تغذي فينا عروق الأصالة. مع كل عيد، تغدو حواسنا مفاتيح للسخاء؛ فمشهد تزاحم الأطفال على أبواب الجيران لتبادل ما يُعرف في الأحساء وبعض مناطقنا بـ “نقصة رمضان”، وصولاً إلى إنفاق المال في أيام العيد كعيدية وهدايا. تتحول حواسنا إلى حارسٍ وفيّ، ومدافعٍ أصيل؛ حيث يغدو المحيط الحسي قوةً ناعمة تدعو الفرد بعفوية للخروج من الذات الضيقة نحو روح الجماعة الرحبة. وبذلك يصبح هذا الانغماس الحسي تهيئة للنفس على البذل والكرم. ببساطة: نحن لا نعطي لأننا قررنا أن نعطي… بل لأن الجو كله يدفعنا لذلك.
نعم، في ثقافتنا ينبثق هذا الترابط بين استثارة الحواس وبين الرغبة في العطاء، وهو التفسير الدقيق لمفهوم (اقتصاد العاطفة)؛ فما نعيشه بفطرتنا وعفويتنا في مجالسنا، هو ذاته الذي تدعو المعاهد العالمية اليوم لهندسته كمحركٍ استراتيجي للإبداع والابتكار. ففي العيد، تتناغم الحواس مع الشعور؛ فلا تعود العيدية مجرد ورقة نقدية، ولا اللقاءات مجرد واجب اجتماعي، بل تستحيل وقوداً للألفة والقربى. وهكذا تتجاوز العيدية و النقصة كونهما تبادلات مادية، لتُصبحا قنوات تداول تضمن تحويل الفرح من شعور ساكن إلى طاقة اجتماعية تُستثمر لتعزيز الروابط؛ مُثبتةً أنَّ العاطفة —رغم كونها قيمة غير ملموسة— هي التي تُنتج النتائج الأكثر أثرا.
ختاماً، إنَّ ما نمارسه بعفوية لا يعكس عاداتنا فحسب، بل يكشف عن قوتنا المعرفية الكامنة في التلاحم. فإذا كان الهلال قد وحد أبصارنا في لحظة ترقب، فإنَّ العيد بتفاصيله يوحد قلوبنا في شبكة تبادل حسي ومادي، لا يكتمل فيها الفرح إلا بالمشاركة. في تكرار هذه المشاهد، نرى أن العاطفة حين تُمارس كفعلٍ تشاركي لا تنتج الفرح فحسب، بل تُنتج أثرًا يمتد للجميع.
كل عام، والعيد والهلال يجددان فينا أفراحا تتسع بالمشاركة، وتزكو بالقربى.
د.هاجر خليفه السلطان
جامعة الملك فيصل