تُعتبر الكتابة من أكثر الوسائل قوةً للإثبات في النظام السعودي، حيث تُعد دلالةً على من حررها وقام بالتوقيع عليها لإثبات التزامه بما دُوِّن فيها، كما تُستخدم كتوثيق لوقائع معينة، إلا أنه كثيرًا ما يختلط على الناس ماهية الكتابة التي يُعتد بها لإثبات حقوقهم، فالبعض قد يظن أنه ليس له تقديم المحررات الكتابية كإثبات إلا تلك التي صدرت من جهات معينة أو موثقة من قِبلها، إلا أن وسائل الإثبات قسمها المنظم السعودي لنوعين، ألا وهي المحررات الرسمية والعادية (العرفية)، فالرسمية هي التي تصدر من جهة حكومية أو من يمثلها، والعادية هي التي قد يكتبها الأشخاص فيما بينهم لإثبات التزاماتهم لضمان حقوقهم.
وذلك ما جاء في المادة الخامسة والعشرين من نظام الإثبات: “المحرر الرسمي هو الذي يثبت فيه موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة، ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن، طبقًا للأوضاع النظامية، وفي حدود سلطته واختصاصه”، مثل الأحكام القضائية والصكوك العقارية.
فالموظف العام هو كل شخص عُيِّن من السلطة المختصة في جهة حكومية، أما المكلف بالخدمة فهو من يُعهد إليه بأداء مهمة أو عمل دائم أو مؤقت لحساب الدولة، لذا فكل ما يصدر من قبلهم يعد من الوثائق الموثوقة التي لها قوة خاصة في الإثبات، حيث إن كل ما يرد فيها هو بناءً على ما تلقاه من ذوي الشأن -وهم من حررت الورقة لمصلحتهم- ليكون ناقلًا له، كتوثيق عقد بيع أمام كاتب عدل، أو أن تكون بناءً على ما قام به الموظف بنفسه ضمن إطاره الوظيفي، مثل ضبط الحضور والتوقيع عليه.
ليُعد حجة على الجميع بما تضمنه المحرر، سواء من صدر المحرر في شأنه أو أمام الغير، فلو ورد في عقد موثق استلام البائع لقيمة منزل، فذلك يعد إثباتًا للمشتري بدفع الثمن وأنه متملك لهذا العقار، ولا يمكن للبائع إسقاط الورقة الرسمية إلا بادعاء تزويرها؛ والمقصود بالغير كل من له التزامات قانونية مع ذوي الشأن، مثل دائني البائع.
إلا أنه لا بد أن يصدر المحرر بضوابط محددة وفق ما هو مخول بالعمل به، فلا يجوز للموظف تضمين ما هو خارج عن صلاحياته المعمول بها، وأن يراعي جميع الإجراءات لإصدار المحرر، فلو صدر حكم قضائي لمحكمة غير مختصة للنظر بالدعوى أو غير متضمن لأسباب الحكم، فإنه لا يحوز حجية المحرر الرسمي، بالإضافة إلى ضرورة عدم وجود مصلحة له أو وجود صلة بينه وبين من حررت من أجله، وإن تبين عدم التقيد بما سبق، فإنها تفقد قيمتها لتأخذ حجية الورقة العادية بشرط توقيع جميع الأطراف.
والجدير بالذكر أنه يجب أن تكون الورقة خالية من كل ما قد يعيبها، كالشطب أو الحشو المادي، كإضافة عبارات، وفي حال تبين للمحكمة ذلك، كان لها الحق في إسقاطها كدليل، على أنه يجوز الأخذ بصورة المحرر الأصلي المطابقة له ما لم ينازع فيها أي من ذوي الشأن، بشرط عدم وجود إشكالية حول صحتها، كأن يكون مظهرها مثيرًا للشك.
وبالحديث عن الطعن في المحرر الرسمي، فالأمر مختلف هنا؛ إن كانت الورقة صادرة بناءً على ما قام به من حررها، فلا يقبل إلا الطعن بالتزوير، أما إن كان مضمون الورقة ما ورد من ذوي الشأن، فيجوز إثبات العكس بكافة سبل الإثبات، لأن المضمون كان بناءً على ما نقله المحرر، وليس ما ورد منه.
والنوع الآخر من المحررات، ألا وهو الورقة العادية، وعرفه المنظم ضمن المادة التاسعة والعشرين: “يعد المحرر العادي صادرًا ممن وقعه وحجة عليه، ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة، وينكر ذلك خلفه أو ينفي علمه بأن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هي لمن تلقى عنه الحق”، وهي ما حررت من قبل أطراف فيما بينهم وتجمعهم مصلحة ما من أجل توثيق التزاماتهم والتوقيع عليها دون تدخل طرف من جهة حكومية، والواضح من التعريف أنها الأكثر تعاملًا بين الناس، وذلك لعدم وجوب إصدارها من جهة أو اشتراط شكلية معينة أو شخص محدد، مما يجعل تحريرها والعمل بها ذا مرونة أكثر، كما أن لها حضورًا واسعًا في المعاملات المدنية والتجارية بين الأفراد، ويدخل فيها العقود وسندات الدين، وتستمد قوتها من التوقيع عليها ليكون لها حجة أمام الغير.
وقد قسمها المنظم لقسمين، وهي أوراق معدة للإثبات وأوراق غير معدة له، فالنوع الأول هي التي قصد منها محررها أن تكون محلًا لحفظ حقه ودليلًا على وجود التزام، فمن حرر سند دين كان الهدف منه توثيق إقراض الطرف الآخر تحسبًا لنشوء نزاع بشأنه، أما الأوراق غير المعدة للإثبات، فيدخل فيها جميع أنواع المراسلات.
وتكمن حجية الورقة العادية في أنها حجة على من وقعها بما ورد فيها، إذ يعد التوقيع الركن الجوهري الذي يضفي عليها قيمتها القانونية، لأنه يعد دليلًا على صدورها ممن نسبت إليه، فإذا أقر الشخص بتوقيعه، ثبتت عليه البيانات الواردة في المحرر، ولا يجوز له بعد ذلك التنصل منها إلا بسلوك طريق الادعاء بالتزوير إن وجد مقتضى لذلك، أو إنكار التوقيع صراحة، لينتقل عبء الإثبات إلى من يتمسك بالورقة لإثبات صحتها، وغالبًا ما تلجأ المحكمة إلى الخبرة الفنية لمضاهاة الخطوط أو التحقق من البصمات.
ومن المسائل الدقيقة هنا أن الإنكار يجب أن يكون واضحًا وصريحًا، فلا يكفي مجرد الطعن في مضمون الورقة أو السكوت عنها، كما أن التفرقة بين الإنكار والادعاء بالتزوير ذات أثر إجرائي مهم؛ فالإنكار يرد على نسبة التوقيع إليه، بينما التزوير يفترض صحة التوقيع وينفي أنه من قام به.
ومن المسائل المهمة أيضًا مسألة حجية تاريخ الورقة العادية، إذ إن تاريخها يكون حجة بين أطرافها، لكنه لا يكون حجة على الغير إلا إذا ثبت بإحدى الطرق النظامية، كالتصديق عليها من جهة مختصة، أو ثبوت مضمونها في محرر رسمي، أو يكون التاريخ مثبتًا في الورقة ثبوتًا لا يقبل الشك.
كما تثير الأوراق العادية مسألة تجزئة الإقرار إذا تضمن المحرر اعترافًا بحق، إذ لا يجوز لمن يتمسك بالمحرر أن يأخذ من الإقرار ما يفيده وينفي ما يضره، ما لم يكن الجزء الآخر مستقلًا بطبيعته وغير مرتبط بالجزء المحتج به، تطبيقًا لمبدأ عدم تجزئة الإقرار.
والجدير بالذكر أن هناك محررات تدخل في الإثبات، إلا أن صدورها لم يكن من أجل استخدامها كحجة لإثبات التزام لاحقًا، مثل المراسلات الموقعة ممن حررها أو المثبت نسبتها لمن صدرت منه، مثل البريد الإلكتروني ما لم ينكر أنه المرسل، كما أن حكم الورقة غير الموقعة في الأصل أنها لا تصلح دليلًا كاملًا، غير أنها قد تعد مبدأ ثبوت بالكتابة إذا اقترنت بقرائن أو أدلة أخرى تعززها، ويخضع تقدير ذلك لسلطة المحكمة في تكوين قناعتها.
ونتوصل بذلك إلى أن الأوراق العادية تمثل أداة إثبات رئيسة في النظام السعودي، غير أن قوتها ليست مطلقة، بل تتحدد بمدى ثبوت نسبتها إلى صاحبها وصحة توقيعها وثبوت تاريخها عند الاحتجاج بها على الغير وسلامتها من الطعن بالتزوير، وتظهر المسائل الدقيقة فيها عند التمييز بين الإنكار والتزوير، وعند بحث حجية الصور والتاريخ، وعند تطبيق مبدأ عدم تجزئة الإقرار، وهي مسائل ذات أثر عملي بالغ في المنازعات القضائية، الأمر الذي يجعل الإلمام بها ضرورة لكل باحث أو ممارس في المجال القانوني.