في ليالي مهرجان البشت الحساوي الذي أقامته هيئة التراث، لم يكن البشت معروضًا بوصفه قطعة لباس فاخرة فحسب، بل كذاكرة حيّة تنسج تاريخ الأحساء بخيوط الصبر والمهارة والجمال. كان الحضور احتفاءً بما هو أعمق من الشكل؛ احتفاءً بالمعنى، وبالعلاقة الحميمة بين الإنسان وموروثه، حيث بدا البشت سيرة مكان وهوية زمن، لا مجرد رداء.
وقد كان جميلًا أن تُفتح منصات المهرجان للمهتمين بتراث البشت الحساوي، في تأكيدٍ على أن صون التراث لا يكتمل بالعرض وحده، بل بالحوار والسرد وتعدد الأصوات. فكما كان حضور بطل مسلسل خيوط المعازيب عبدالمحسن النمر لافتًا، كان سيمنح المشهد عمقًا أكمل لو امتد التكريم ليشمل مؤلف العمل حسن العبدي؛ فالحكاية التي أعادت نسج العلاقة بين الإنسان وموروثه تبدأ من النص قبل أن تبلغ الشاشة.
ويزداد هذا التوازن ثراءً حين يُفسح المجال للمهتمين بالتراث، مثل المهندس عبدالله الشايب وغيره، ليحكوا سيرة البشت الحساوي: تاريخ نسجه، وخياطته، وتداوله بين الأجيال، بوصفه شاهدًا اجتماعيًا لا ينفصل عن تحولات المكان والناس. وعلى الضفة الأخرى، ارتفع صوت الشاعر جاسم الصحيح في إحدى ليالي المهرجان، ليمنح البشت لغته الشعرية، حيث يتحول الموروث إلى صورة، والتاريخ إلى إحساس، واللباس إلى معنى يُقال ويُسمع.
هكذا يكتمل المشهد: حكاية تُروى، وتاريخ يُشرح، وشعر يُحسّ. توازنٌ يليق بالبشت الحساوي، بوصفه تراثًا وهوية وذاكرة مكان، قادرة على أن تعيش في كل زمان
فهل نحتفي بالبشت لأنه لباس، أم لأننا كلما تأملناه نعيد اكتشاف ذواتنا في مرآة المكان والزمان؟