في صباح اليوم الأول من عام 2026، قررت أن استقبل العام الجديد بجملة واحدة.
في الأعوام الماضية، كنت أستعد بكتابة أهداف تنبع من رؤى واضحة، وأقيس بداياتي بما أريد إنجازه وتحقيقه. أما هذا العام، فقد اخترت أن أبدأ بطريقة مختلفة تمامًا؛ رسالة واحدة، لا تشبه الرسائل التي اعتدت أن أستفتح بها الأعوام الميلادية والهجرية السابقة.
سألت نفسي:
ماذا أعددت لها؟
فأجبت ببساطة: الحب.
سألت نفسي من جديد:ما وجهة هذا الشعور؟وأين يقودني؟
ابتسمت حين تجلّى لي بعدها رد محمد الصادق الأمين:
«أنت مع من أحببت».
في أواخر ديسمبر، بدأت أنسج ملامح الحب داخل هذه الجملة، لا كفكرة وجدانية، بل كنَسقٍ متين يصلح لأن يكون مرشدًا للحياة والعمل والانتماء. ومع أول أيام العام الجديد، أدركت أنني لا أنسج شعورًا، بل نسيجًا معرفيًا، شبكة من المعاني تعلمنا كيف يمكن للحب أن يكون اختيارًا واعيًا واتجاهًا أصيلًا، لا مجرد شعور جميل أو رومانسية عابرة، كما يتخيّله الكثير منا.
نعم، حين تأملت تفاصيل هذه الجملة، وغصت في أبعادها اللغوية والاجتماعية، وجدتها تعيد تعريف مفاهيم كبرى: الحب، والعمل، والانتماء. تأتي هذه الجملة، في سياق الإرث النبوي، لتقترح مقياسًا مختلفًا؛ مقياسًا يقيس صدق الوجهة قبل حجم الإنجاز، ويمنح الانتماء قيمة لا تقل عن الكفاءة.
دعوني أشارككم كيف يمكن لهذه الجملة أن تفتح لنا مساحة مختلفة للتأمل والعمل معًا؛ مساحة لا تُقاس بالأهداف ولا بالقوائم ولا بالمهارات، بل بالوجهة. فبينما نعيش في عالم اعتاد أن يقيس الاستعداد بالأرقام:ماذا أنجزت؟ ماذا حققت؟ ماذا أضفت؟ تضيئ لنا هذه الجملة زاوية جديدة و تنقلنا إلى مقياس آخر، مقياس يبدأ من الداخل: من الوعي والشعور.
الحب هنا ليس مجرد شعور، بل قراءة فكرية واعية. فـ “مع” في الجملة لا تفيد القرب المكاني فقط، ولا تعني الوجود الجسدي بجوار الآخر، بل تشير إلى موقف نابع من الاصطفاف، والالتزام، والمصاحبة. وهنا تكمن الوقفة الأهم: لم تكن الجملة “أنت مع من يحبك”، بل “أنت مع من أحببت”. أنت تختار. أنت توجّه قلبك ومشاعرك. أنت ترسم مسارك، وتحدد قراراتك، وتبني دوائرك التي ستستثمر فيها شعوريًا.
“أنت مع من أحببت” ليست مجرد قصة شعور داخلي، بل مسؤولية داخلية تُوجّه مسارنا خلال العام من الداخل إلى الخارج. فما نحبه في الآخر قد يؤثّر بنا، ثم نعيد إنتاجه في وعينا وسلوكنا. والاستعداد هنا لا يعني فقط ترتيب مهام، ولا كتابة قائمة أهداف، ولا حصر عدد الإنجازات والمهارات، بل يبدأ بمراجعة داخلية عميقة لدوائر التأثير في حياتنا:
من نصغي له؟
من نتأثر بخطابه؟
من نقتبس منه قيمنا وسلوكنا؟
من نرافقه في حياتنا؟
ومن نوجّه له جهدنا واهتمامنا؟
ومن نمنحهم شرعية التأثير علينا في هذا العام؟
وهنا، يعيد منطق الانتماء وجهة هذين السؤالين: ماذا سأنجز لنفسي؟ وماذا سأضيف لسيرتي؟
فيتحول الاستعداد من كونه قرارًا فرديًا محدودًا بالذات، إلى اختيار واعٍ بالمشاركة والانخراط في مسار مشترك يتّسع ليشمل الآخرين، والمجتمع، والوطن.
عندما نستقبل العام برؤية أعمق للحب، تكتسب مساعينا الشخصية، والاجتماعية، والوطنية معانٍ حيّة نحياها في داخلنا وفي محيطنا.
أولًا، لأننا لا ننطلق بدافع الإنجاز والمكسب فقط، بل بدافع الانتماء والمسؤولية. يصبح الانتماء أساس المسعى، لا مجرد نتيجة له.
في هذا العام، أدعوكم إلى الداخل… إلى الوجهة قبل الهدف.
د.هاجر خليفه السلطان
أستاذ مساعد اللغة و الثقافة وتعليم اللغة الانجليزية كلغة ثانية/أجنبية
جامعة الملك فيصل