في لحظة الاحتفاء بخبر نشر بحثنا في إحدى المجلات العلمية المصنفة عالميًا، استعدت رحلة امتدت لأكثر من عامين، وعدت إلى العبارة التي اخترت أن تتصدر عنوان البحث: “ودخلتُ كهفًا مظلمًا”. لم يكن اختيارها بلاغيًا، بل منهجيًا؛ فقد أردت أن تبقى كما نُطقت، إيمانًا بأن الكلمات أحيانًا تكشف ما لا تكشفه الأرقام.
حين دعيت للمشاركة في هذه الدراسة، اخترت أن يكون التركيز على كيفية فهم المرأة للعنف وتسميته إطارًا منهجيًا واستراتيجيًا يسعى لفهم “العملية الإدراكية اللغوية” التي تتشكل عبر السرد والحوار. أتاح لنا هذا الاطار المنهجي ملاحظة تحولات دقيقة في الوعي والفهم؛ حيث لم تعد المشاركات مجرد ضحايا للعنف، بل نساء يمتلكن القدرة على صياغة تجاربهن وقراءتها بوعي أعمق بالسياق الثقافي.
فعبارة “الكهف المظلم” لم تكن استعارة عابرة، بل كانت مؤشراً على إدراك داخلي يعيد تأطير التجربة، محولةً المقابلات من أداة لجمع البيانات إلى مساحات للتفاوض مع الذات ومع الثقافة. من خلال المقابلات، رصدنا كيف تحولت لحظات الصمت أو الحيرة إلى مساحة للحوار والتفاوض، لتصبح اللغة “أداة تحول” لا مجرد أداة وصف.
في مرحلة سبقت نشر البحث، وفي تقاطع ملهم وغير مخطط له، تجسد هذا الفهم واقعاً ملموساً من خلال المبادرة الوطنية — برنامج “قصة أمل”.
فبينما مثل “الكهف” العزلة اللغوية والاجتماعية التي فرضها العنف، مثلت “قصة أمل” استعادة القدرة على التسمية والتعبير. لقد تحرك المساران، البحثي والوطني، في اتجاه واحد برؤية متقاربة؛ لتوفير مساحات تدريبية تعزز إعادة فهم التجربة وتنمي مهارات التواصل ودعم الثقة واتخاذ القرار.
ما رصدناه كباحثين وجد صداه بوضوح في تجربتي كمدربة في برنامج قصة أمل. لم أقرأ التحول في المقابلات فحسب، بل شاهدته يتشكل أمامي خلال أسابيع. تحولت مساحات الحوار المنظمة إلى منصات تفاوض حقيقي مع الذات، وانتقلت المتدربات من الصمت و الارتباك إلى المشاركة، ومن التلقي إلى التفاوض.
هذا التحول لم يكن لحظة عابرة في مقابلة بحثية، بل نمطا قابلًا للتكرار في بيئة حوارية واعية، مما يؤكد أن الوعي ليس بالضرورة عملية بطيئة؛ بل هو بناء معرفي يتسارع حين تتوفر مساحة آمنة ومنهجية واضحة يمتزج فيها صدق السرد بفعالية الحوار.
كشف تكامل التجربتين — البحثية والتطبيقية — أن التحول الاستراتيجي لا يتحقق بتراكم الأبحاث، ولا بسن القوانين فحسب، بل بتكامل المعرفة مع الممارسة. وحين تلتقي التخصصات لفهم الظواهر في أبعادها الاجتماعية واللغوية والثقافية والنفسية، تتشكل معرفة تكاملية تختصر المسافة بين الفهم والحل.
وهنا لا يقتصر دور الباحث أو المدرب على تنفيذ برنامج أو كتابة ورقة علمية، بل يمتد إلى الإسهام في تشكيل الوعي وتصميم مسارات المعرفة.
في سياق رؤية 2030، التي تسعى إلى تعزيز جودة الحياة والاستقرار الأسري وتمكين المرأة، لا يبدو هذا التقاطع تزامنًا عابرًا، بل عنصرًا بنيويًا يرسّخ مساحات الحوار في قلب أي مشروع إصلاحي جاد لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي ولترجمته إلى ممارسة مستدامة.
ومن هذا المنظور، فإن استعداد النساء لسرد قصصهن لا يعبر عن شجاعة فردية فحسب، بل عن تحوّل ثقافي مدعوم بإصلاحات وطنية تفتح المجال لإعادة قراءة التجارب والتعبير عنها بوعي وثقة.
الحكاية التي بدأت بـ “كهف مظلم” لم تتوقف عند حدود الألم، بل رسمت باللغة مساراً نحو “الأمل” كخيار واعي لا كاحتمال عابر.
ختاما، نحن لا نريد للمرأة أن تجد صوتها في مساحات التدريب أو في مقابلات بحثية ثم يصمت هذا الصوت في مواجهة مواقف الحياة.
إذا كان البحث قد أنصت للقصة وللمعنى، فإن المسؤولية اليوم تتجاوز الخروج من الكهف إلى ضمان عدم العودة إليه؛ وذلك عبر تصميم مسارات وعي تكاملية تتحول فيها “المساحات الحوارية” من مبادرات ظرفية إلى بنية مؤسسية راسخة داخل مؤسساتنا، لنجعل من إعادة تعريف التجربة وفهم معانيها ممارسة مستدامة.
التوقيع د. هاجر خليفه السلطان جامعة الملك فيصل