هناك أماكن نغادرها بأجسادنا، لكن أرواحنا ترفض الرحيل منها. وهناك مدن مهما ابتعدنا عنها، ومهما مرت السنوات، تظل قادرة على أن تفتح في القلب بابًا قديمًا، فإذا فتحته تدفقت منه الذكريات دفعة واحدة، بكل ما فيها من دفء وفرح ووجع واشتياق. مدن لا تصبح ماضيًا، لأنها ببساطة أصبحت جزءًا من الإنسان نفسه. والأحساء بالنسبة لي واحدة من هذه المدن، بل ربما هي أكثرها حضورًا في قلبي، لأنني لم أعش فيها سنوات فقط، وإنما عشت فيها جزءًا من عمري، وشهدت فيها أجمل تفاصيل أسرتي، وولدت فيها بناتي، وعاشت فيها طفولتهن، حتى أصبحت الأحساء بالنسبة لنا أكثر من مكان، أصبحت حكاية عمر لا تنتهي.
عشت في الأحساء ستة عشر عامًا، وستة عشر عامًا ليست فترة عابرة يمكن أن تمحوها السنوات. ستة عشر عامًا تعني أن الأحساء كانت شاهدة على جزء كبير من حياتي، على أيامي الجميلة والصعبة، على أحلامي وطموحاتي، على أفراحي وأحزاني، وعلى سنوات كانت فيها الأسرة تكبر أمام عيني يومًا بعد يوم.
كنت أعيش فيها وأظن أن الأيام عادية، وأن الغد سيأتي مثل اليوم، وأن الأماكن التي أراها كل صباح ستظل موجودة أمامي متى أردت، وأن الشوارع التي أمشي فيها ستبقى جزءًا من حياتي إلى الأبد.
لكن الإنسان لا يعرف قيمة الأشياء وهي بين يديه.
يعرف قيمتها عندما تصبح ذكرى.
وهذا هو الدرس الذي تعلمته بعد أن غادرت الأحساء منذ ثماني سنوات.
فقد اكتشفت أنني لم أترك الأحساء وحدها، وإنما تركت فيها جزءًا من عمري، وتركت فيها ذكريات لا يمكن أن تعود، وتركت فيها طفولة بناتي، وتركت فيها تفاصيل صغيرة كنت أظن أنها عادية، ثم اكتشفت بعد الرحيل أنها كانت أجمل ما في الحياة.
بناتي وُلدن في الأحساء.
وهذه وحدها كافية لأن تجعل علاقتنا بهذه الأرض مختلفة.
لقد فتحت بناتي أعينهن على الأحساء، وعرفن أول خطواتهن بين طرقاتها، وعشن سنوات طفولتهن الأولى فيها، وذهبت ضحكاتهن إلى بيوتها وشوارعها ومدارسها، وتشكلت ذاكرتهم الأولى في المكان الذي أصبح بالنسبة إليهن وطن الطفولة.
ولذلك عندما نتحدث عن الأحساء في بيتنا، لا نتحدث عنها مثل أي مدينة.
نحن نتحدث عنها كما يتحدث الإنسان عن شخص يحبه وغاب عنه.
وأحيانًا أجلس مع بناتي وأسمع حنينهن إليها، فأشعر أن في داخلهن شيئًا لا أستطيع إصلاحه بالكلمات. أسألهن ماذا تفتقدن، فتأتي الإجابة بسيطة، لكنها تهزني من الداخل: تركنا بلدنا التي اتولدنا فيها واتربينا فيها.
كم تحمل هذه الجملة من وجع!
فأنا أشتاق إلى الأحساء لأنها كانت جزءًا من سنوات عمري، أما بناتي فيشتقن إليها لأنها كانت بداية عمرهن.
أنا أبحث في الأحساء عن سنوات عشتها، وهن يبحثن عن طفولة تركناها هناك.
ولهذا أفهم جيدًا لماذا لا تستطيع السنوات أن تمحو الحنين.
فالإنسان يستطيع أن يغير بيته، ويغير عمله، ويغير المدينة التي يعيش فيها، ويبدأ حياة جديدة، لكنه لا يستطيع أن يغير طفولته.
ولا يستطيع أن يصنع ذكريات أولى مرة أخرى.
ولا يستطيع أن يعود طفلًا.
وهنا تكمن قوة الأماكن التي نحبها.
إنها لا تحتفظ بنا فقط، بل تحتفظ بأعمارنا.
وفي قصتي مع الأحساء هناك شيء آخر يجعل ارتباطي بها أعمق، شيء لا يتعلق بي وحدي، وإنما يتعلق بأمي أيضًا.
أمي زارت الأحساء وأقامت فيها، وعاشت معنا شيئًا من تلك الأيام، وكأنها هي الأخرى أخذت نصيبها من دفء هذه الأرض وذكرياتها. والأجمل من ذلك أن الأحساء لم تكن بالنسبة إلى أمي مجرد محطة عابرة، فقد كانت منها انطلاقتها إلى بيت الله الحرام لأداء الحج والعمرة.
وهذا التفصيل الصغير في ظاهره، الكبير جدًا في قلبي، يجعل الأحساء مرتبطة عندي بصورة أمي، وبأجمل المعاني التي يمكن أن يحملها المكان في ذاكرة الإنسان.
حين أتذكر أمي وهي في الأحساء، ثم أتذكر أنها انطلقت منها إلى بيت الله الحرام حاجّة ومعتمرة، أشعر أن علاقتي بهذه الأرض تجاوزت الذكريات اليومية والحياة العادية. أصبحت الأحساء مرتبطة في وجداني بالعائلة، وبالأم، وبالسفر، وبالدعاء، وببيت الله الحرام، وبأيام لا يمكن للزمن أن يمحوها.
وهكذا أصبحت الأحساء في ذاكرتي أكثر من مدينة.
فيها عشت.
وفيها ولدت بناتي.
وفيها عاشت أمي معنا.
ومنها انطلقت أمي إلى بيت الله الحرام لأداء الحج والعمرة.
فكيف لا يسكن هذا المكان في القلب؟
كيف يمكن لإنسان أن ينسى أرضًا ارتبطت عنده بكل هذه التفاصيل؟
أحيانًا أعتقد أن الأماكن لا تصبح غالية بسبب ما فيها، وإنما بسبب من أحببناهم فيها.
قد تكون هناك شجرة عادية جدًا، لكن إذا جلس تحتها شخص نحبه تصبح الشجرة أغلى من أجمل الحدائق.
وقد يكون هناك بيت بسيط، لكنه يصبح قصرًا في الذاكرة لأن أمًا كانت تضحك فيه، أو لأن أطفالًا كانوا يركضون في أرجائه.
وقد يكون هناك شارع لا يراه الآخرون شيئًا مميزًا، لكنه بالنسبة لك يحمل عشر سنوات من عمرك.
وهكذا هي الأحساء.
ربما يراها شخص آخر مدينة جميلة، أما أنا فأراها عمرًا.
أراها بناتي وهن صغيرات.
أراها زوجتي.
أراها أمي.
أراها بيتنا.
أراها أيامنا.
أراها أحلامنا.
أراها تلك التفاصيل التي لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا أغلى ما في ذاكرتنا.
ولذلك، عندما يمر اسم الأحساء أمامي، لا أسمعه كاسم مدينة.
أسمعه كنداء.
وكأن شيئًا في داخلي يقول: تذكر.
وأتذكر.
وأحيانًا أتمنى لو كان الزمن يملك قلبًا، لأطلب منه أن يعيد لي يومًا واحدًا فقط من تلك الأيام.
يومًا واحدًا.
ليس لأغير شيئًا.
فقط لأعيش اللحظة وأنا أعرف قيمتها.
أريد أن أجلس مع أمي لو كانت الأيام تسمح، وأن أتذكر رحلتها من الأحساء إلى بيت الله الحرام، وأتذكر دعواتها، وأتذكر وجهها، وأتذكر كيف كانت الأحساء محطة في طريق روحاني عظيم إلى أطهر بقاع الأرض.
وأريد أن أعود مع زوجتي وبناتي إلى الأحساء، ولو ليوم واحد فقط.
هذه الأمنية أصبحت تسكنني.
لا أريد شيئًا كبيرًا.
لا أريد أن تعود ستة عشر سنة.
ولا أريد أن يتوقف الزمن.
كل ما أريده يوم واحد.
يوم واحد أنا وزوجتي وبناتي.
أريد أن أدخل الأحساء معهم، وأن أمسك أيدي بناتي كما كنت أفعل عندما كن صغيرات، وأن أمشي بهن في الأماكن التي بدأت فيها طفولتهن.
أريد أن أقول لهن: هنا عشتن أول أيامكن.
هنا كانت طفولتن.
هنا كانت ضحكاتكن.
هنا بدأ كل شيء.
وأريد أن أرى في أعينهن ذلك الشعور الذي أعرفه، شعور الإنسان عندما يعود إلى مكان ترك فيه قطعة من قلبه.
ربما لن تكون الأحساء كما كانت قبل ثماني سنوات.
وربما تغيرت شوارع وأحياء كثيرة.
وربما تغيرت أماكن كنا نعرفها.
وربما لن نجد بعض الوجوه التي كنا نحبها.
لكنني لا أبحث عن الأحساء القديمة كما هي.
أنا أبحث عن الإحساس الذي كانت تمنحنا إياه.
أبحث عن ذلك الدفء الذي كان يملأ البيت.
عن ضحكات بناتي عندما كن صغيرات.
عن أيام كانت أمي فيها معنا.
عن زوجتي وهي تشاركني تفاصيل الحياة.
أبحث عن نفسي القديمة.
أبحث عن عائلتي كما كانت.
أبحث عن عمر مضى ولن يعود.
ولو وجدنا كل ذلك للحظات، فستكون الزيارة بالنسبة لي أعظم من سنوات طويلة.
أتخيل أنني في نهاية ذلك اليوم سأجلس مع زوجتي وبناتي، وأنظر إليهن طويلًا، وربما لا أستطيع الكلام.
ربما ستسبقني الدموع.
وربما تبكي بناتي أيضًا.
وربما تقول إحداهن: يا بابا، إحنا كنا هنا فعلًا؟
وسأقول لها: نعم يا ابنتي، هنا بدأ جزء من عمرك.
هنا كنتِ طفلة.
هنا كانت أيامك الأولى.
هنا تركتِ شيئًا منك.
وإذا بكت، فسأتركها تبكي.
لأن هناك دموعًا لا تحتاج إلى مواساة.
هناك دموع هي في الحقيقة عودة.
عودة إلى مكان أحببناه.
عودة إلى زمن افتقدناه.
عودة إلى أنفسنا.
يا أهل الأحساء، ربما لا تشعرون بقيمة الأشياء التي تحيط بكم لأنكم ترونها كل يوم. لكن الإنسان البعيد يرى ما لا يراه القريب. يرى قيمة التفاصيل الصغيرة. يشتاق إلى الأشياء التي لا يلتفت إليها أهل المكان.
قد يشتاق إنسان إلى نخلة تمرون بجوارها كل صباح.
وقد يشتاق إلى شارع لا ترون فيه شيئًا مميزًا.
وقد يتمنى جلسة في مكان اعتدتم الجلوس فيه.
وقد يبكي عندما يرى صورة لمكان كان جزءًا من طفولته.
لأن الأماكن لا تُقاس بجمالها فقط.
الأماكن تُقاس بما تركناه فيها.
وأنا تركت في الأحساء ستة عشر عامًا من عمري.
وتركت بناتي فيها طفولتهن.
وتركت أمي فيها ذكريات جميلة، ومنها انطلقت إلى بيت الله الحرام حاجّة ومعتمرة.
فكيف يمكن لقلب مثل هذا القلب أن ينسى؟
لا يمكن.
ولهذا أقولها اليوم بكل ما في القلب من صدق:
وحشتني الأحساء.
وحشتني بطريقة لا تستطيع الكلمات أن تصفها.
وحشتني كأنني غادرتها بالأمس.
وحشتني كأن بيني وبينها موعدًا تأخر ثماني سنوات.
وحشتني لأن فيها جزءًا مني.
وحشتني لأن فيها طفولة بناتي.
وحشتني لأن فيها ذكريات أمي.
وحشتني لأن منها انطلقت أمي إلى بيت الله الحرام، تحمل دعاءها وأمنياتها، وتعود إلينا بقلب أكثر طمأنينة.
وحشتني لأنها لم تكن مجرد مدينة في حياتنا.
كانت بيتًا.
كانت أمانًا.
كانت عائلة.
كانت طفولة.
كانت دعاءً.
كانت طريقًا إلى ذكريات لا تموت.
ولهذا أتمنى من الله أمنية واحدة قبل أن يمضي العمر أكثر.
أن يكتب لي زيارة إلى الأحساء.
أنا وزوجتي وبناتي.
يومًا واحدًا فقط.
نعود فيه إلى المكان الذي أحببناه.
نمشي فيه.
نضحك فيه.
نبكي فيه.
وندعو الله أن يحفظ الأحساء وأهلها.
ثم إذا حان وقت الرحيل، سألتفت خلفي طويلًا، وربما لا أستطيع أن أقول شيئًا.
لكن قلبي سيقول كل شيء.
سيقول:
يا أحساء، سامحيني لأنني رحلت.
سامحيني لأنني لم أعرف وأنا أعيش بين نخيلك وطرقاتك أنني كنت أعيش واحدة من أجمل مراحل عمري.
سامحيني لأنني لم أقل لك وداعًا كما ينبغي.
واعلمي أن ثماني سنوات من البعد لم تستطع أن تمحوك من قلبي.
واعلمي أن بناتي، رغم أنهن كبرن، ما زلن يحملن طفولتهن فيك.
واعلمي أن أمي تركت لكِ في ذاكرتنا ذكرى لا تنسى، يوم كانت الأحساء محطة انطلقت منها إلى بيت الله الحرام حاجّة ومعتمرة.
واعلمي أن هناك رجلًا بعيدًا عنك، كلما اشتاق إلى الماضي، وجدك في أول الطريق.
الأحساء… لم تكوني مدينة مررنا بها، بل كنتِ عمرًا عشنا فيه.
ولذلك، حتى لو أخذتنا الحياة بعيدًا، سيظل في داخلنا صوت لا يهدأ، يناديكِ من أعماق القلب: وحشتينا يا أحساء… وحشتينا أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقول.
ولو لم يبقَ لنا من العمر إلا يوم واحد، فليكن فيكِ… أنا وزوجتي وبناتي، نعود إليكِ مرة واحدة، ونترك على أرضك دمعة أخيرة تقول: هنا كانت أجمل حكاياتنا.
المتيم فى حب الأحساء
الذليل إلى الله/ هشام رجاء