دخلتُ الفندق فاستقبلتني أشياء مألوفة: اللون الأزرق، والهدوء، والعناية الصامتة بالتفاصيل في كل قطعة وزاوية. وحين بحثتُ عن مقعد، لفتتني لوحة زرقاء موزّعة على ثلاثة إطارات منفصلة؛ أغصان تمتدّ من إطار إلى آخر، وطائر يقف على أحدها في المنتصف. التقطتُ لها صورة سريعة من مكاني البعيد، ثم اقتربت.
من قريب تبيّن لي ما لم أره: اللوحة مصنوعة من قطع فسيفساء صغيرة، مرصوفة بدقّةٍ لم تكن ظاهرة من مسافتي الأولى. وقفتُ أتأمّل درجات الأزرق بضع دقائق. لم تتغيّر القطع ولا الألوان، بل بقي كل شيء في مكانه. ما تغيّر هو مقدار ما تستطيع العين أن تجمعه في نظرة واحدة. فالمسافة التي أرتني الغصن عابرًا هي نفسها التي أخفت عنّي دقّة الرصف. ولعلّ هذا ما أبقاني أمامها.
أمام تلك اللوحة تجلّت لي قيمة المسافة. فامتداد الأغصان رغم الحدود جعلني أفكّر في فصول حياتنا التي نصرّ أحيانًا على عزل بعضها عن بعض: ما قبل وما بعد، النجاح والتعثّر، البداية والنهاية. غير أن ما فينا لا يخضع كلّه لهذه القسمة؛ فقيمنا، ولغتنا اليومية، وأسئلتنا وخبراتنا وعلاقاتنا، كلّها قد تعبر معنا من فصلٍ إلى آخر، أو تشارك في تشكيل الفصول التي تليه.
نعم، قد ننغمس في تجربةٍ ما إلى درجة أننا لا نرى حياتنا إلا من خلالها. تستقرّ فينا مشاعر لحظية ثم تستأثر بمقدّمة المشهد، وقد تأسرنا زاوية واحدة أو أسئلتنا المألوفة. ومع طول البقاء، قد ننسى أن ما نراه لا يزال محاطًا بإطار؛ فتضيق الرؤية دون أن نشعر، ويتمدّد وصفٌ واحد ليحجب سواه: ساعةٌ تستولي على يوم، وموقفٌ واحد يحتلّ فصلًا كاملًا، وشعورٌ عابر يسرد القصة بأكملها. وكما يتولّد معنى قطعة الفسيفساء الصغيرة من موضعها، ومن علاقتها بما يجاورها داخل اللوحة، كذلك قد لا تكون القطعة هي ما نحتاج إلى تغييره، ولا حتى نظرتنا إليها؛ أحيانًا يكفي أن يتغير الإطار، أو أن تتسع شبكة ما نصلها به، حتى يظهر لها معنى آخر في اللوحة نفسها.
ومع ذلك، فالمسافة التي يمنحها لنا الوعي والزمن لا تمحو أثر كلّ خسارة، ولا تجعل كلّ تعثّرٍ أو ألمٍ درسًا، ولا تضمن أن نعثر في كلّ تجربة على حكمةٍ خفية. لكنها تسمح لخبراتٍ لاحقة وروابط جديدة بأن تدخل في إطار رؤيتنا، فنستوعب ما حدث بصورة مختلفة، ونعيد ترتيب معناه.فالحدود التي نرسمها بين فصولنا قد تكون لتنظيم ما نراه، لا الفصل. و لعل بعض ما نراه نهايةً ليس إلا حافّة إطار؛ ففي لوحة كل منا متّسعٌ للأغصان كي تعبر الحدود.
د. هاجر خليفه السلطان
جامعة الملك فيصل