رضا النجار يكتُب: عقله يسبق الكلمات.. فلماذا عاقبناه على تعثّرها؟

1 تعليق
رضا النجار يكتُب: عقله يسبق الكلمات.. فلماذا عاقبناه على تعثّرها؟
https://wahhnews.com/?p=108486
رضا النجار يكتُب: عقله يسبق الكلمات.. فلماذا عاقبناه على تعثّرها؟
رضا النجار

سأسميه سراجًا…

ليس هذا اسمه الحقيقي، لكنني اخترت له هذا الاسم لأن في عقله ضوءًا، ولأن قصته قد تضيء لنا زاويةً ظلّت طويلًا في عتمة أنظمتنا التعليمية.

التقيت سراجًا وأنا أُدرّبه على مقياس موهبة ومسابقة كانجارو للرياضيات. في البداية، قد يلفت انتباهك تعثّره في قراءة بعض الكلمات، أو حاجته إلى وقت أطول حتى يعبر من السطر المكتوب إلى المعنى.

لكن ما إن يصل إلى المعنى، حتى يحدث شيء مدهش…

ينطلق عقله بسرعة لا تشبه بطء القراءة، ويرى في المسألة ما لا يراه كثيرون. يسأل بطريقة مختلفة، ويربط بين أفكار متباعدة، ويقترح حلولًا لا تتوقع صدورها عن طفل في عمره.

كان واضحًا أمامي أن الكلمات قد تتأخر قليلًا في الوصول إليه، لكن الأفكار تصل إليه مبكرًا جدًا.

سراج مصاب بعسر القراءة «الديسلكسيا»، لكنه في الوقت نفسه يمتلك قدرة عقلية مرتفعة وموهبة حقيقية. وهذا ما يُعرف تربويًا بالطالب مزدوج الاستثنائية: طفل تجتمع داخله موهبة عالية مع صعوبة تعلم محددة.

ولأننا اعتدنا وضع الأطفال في قوالب جاهزة، يصعب على البعض أن يفهم كيف يمكن لطفل أن يتعثر في قراءة فقرة، ثم يحل مسألة معقدة، أو يتصور مشروعًا هندسيًا، أو يناقش أفكارًا تسبق مرحلته العمرية.

لكن سراج كان يفعل ذلك.

كان شغوفًا بالهندسة المعمارية شغفًا يتجاوز إعجاب الأطفال العابر بالمباني. كان يبحث ويقرأ ويشاهد، ويتتبع أعمال المعمارية العراقية العالمية زها حديد، ويتحدث بإعجاب عن المعماري المصري حسن فتحي. لم تكن هذه مجرد أسماء حفظها؛ بل كانت نوافذ يطل منها على العالم الذي يحلم به.

وفي إحدى المرات، حدثني عن فكرة ظلت عالقة في ذهني:

تخيل تطبيقًا يستخدم أشعة الليزر لنقل المخطط المعماري من الورق، من شكله ثنائي الأبعاد، إلى موقع البناء بالحجم الحقيقي. فتظهر على الأرض مواقع الجدران والأعمدة والأبواب والفتحات، ويستطيع المنفذون مقارنة ما يُبنى لحظة بلحظة بما وضعه المهندس في المخطط؛ حتى يكون الواقع أكثر دقة ووفاءً للتصميم.

قد تحتاج الفكرة إلى تطوير، وقد تكون لها تطبيقات متقاربة في العالم، لكن ما أدهشني لم يكن الفكرة وحدها؛ بل العقل الذي أنتجها: طفل لا يكتفي بالنظر إلى المبنى، وإنما يفكر في المسافة بين التصميم والتنفيذ، ثم يبحث عن تقنية تعبر هذه المسافة.

هنا لم أرَ طفلًا يعاني من صعوبة في القراءة.

رأيت مهندسًا صغيرًا يحاول قراءة المستقبل.

اجتاز سراج مقياس موهبة، وصُنّف رسميًا ضمن الطلبة الموهوبين. وحين أُتيحت له في الاختبار تهيئة تراعي صعوبة القراءة، استطاع أن يُظهر قدراته الحقيقية بوضوح. وهنا شكر واجب للمركز الوطني للقياس والتقويم – قياس – الذى بكل مسؤولية وافق على وجود مرافق له أثناء تأدية الاختبار، وشكر واجب أيضا لمؤسسة الملك عبد العزيز للموهبة والابداع متمثلة في إدارة المسابقات لموافقتها على وجود مرافق له أثناء تأديته اختبار الكانجارو.

فالتهيئة لم تمنحه عقلًا جديدًا، ولم تقدم له إجابات جاهزة، ولم تخفض مستوى الاختبار من أجله.

كل ما فعلته أنها أزاحت الحاجز من الطريق، وتركت عقله يتحدث.

بعد ذلك، حصل على فرصة تعليمية تناسب قدراته، واستكملت أسرته الإجراءات المطلوبة. عاش الطفل فرحة القبول، وبدأ يتخيل المكان الجديد الذي سيجد فيه من يفهم أسئلته ويحتضن أفكاره.

ربما شعر، للمرة الأولى، أنه لن يضطر إلى الاعتذار عن اختلافه.

لكن قبل أن تبدأ الرحلة، أُغلق الباب.

لم يكن الإغلاق مجرد تغيير في مقعد دراسي، ولا اعتذارًا إداريًا يمكن لطفل أن يضعه في ملف وينساه. لقد وصلت إليه الرسالة بصورة أشد قسوة:

أنت موهوب… لكن صعوبتك أكبر من موهبتك.

وعاد الطفل من فرحة القبول إلى سؤال موجع لا ينبغي لطفل أن يُترك وحيدًا أمامه:

إذا كنت قد اجتزت مقياس الموهبة، فلماذا أصبحت صعوبة القراءة سببًا في إبعادي عن بيئة الموهوبين؟

أنا أتفهم أن بعض المؤسسات التعليمية قد لا تمتلك المختصين أو الإمكانات اللازمة للتعامل مع جميع الحالات. وأتفهم أن الاحتواء الحقيقي يحتاج إلى تدريب وخطط وموارد ومتابعة مهنية.

لكن ما لا يمكن تفهمه أن يتحول نقص إمكاناتنا إلى جرح في كرامة طفل.

إذا عجزنا عن تقديم الخدمة، فعلينا أن نقول ذلك بأدب ومسؤولية. علينا أن نجلس مع الأسرة، ونشرح، ونبحث عن البدائل، ونحفظ للطفل صورته أمام نفسه.

لا ينبغي أن نجعله يشعر بأنه عبء يجب التخلص منه، أو أن نعامل أسرته وكأن رسالتنا إليها:

هذه مشكلتكم… خذوها بعيدًا عنا.

قد لا تملك كل مدرسة متخصصًا في عسر القراءة، لكن كل مدرسة تستطيع أن تمتلك لغةً رحيمة.

قد لا نستطيع قبول كل حالة، لكننا نستطيع ألا نحطمها.

قد تعجز المؤسسة عن فتح الباب، لكن ليس من حقها أن تغلق معه نوافذ الطفل على مستقبله.

قصة سراج ليست قصة طفل واحد. حولنا أطفال كثيرون تخفي عثراتهم الظاهرة قدرات استثنائية لا يراها أحد. طفل يتعثر في القراءة لكنه يبدع في الرياضيات، وآخر يواجه صعوبة في الكتابة لكنه يمتلك خيالًا هندسيًا مذهلًا، وثالث لا يستطيع التعبير بالطريقة المعتادة بينما يمتلئ عقله بالأفكار.

نحن غالبًا نقيس هؤلاء الأطفال من الباب الذي يصعب عليهم فتحه، ثم نتجاهل النوافذ الكثيرة المفتوحة داخلهم.

نرى الكلمة التي لم يقرأها، ولا نرى الفكرة التي ابتكرها.

نحصي أخطاءه الإملائية، ولا نحصي الأسئلة الكبيرة التي تسكن عقله.

نطالبه بأن يشبه الآخرين، ثم نستغرب لماذا لم يمنحنا شيئًا مختلفًا.

الطالب مزدوج الاستثنائية لا يحتاج إلى الشفقة، ولا إلى إعفائه من التعلم، ولا إلى منحه نجاحًا لا يستحقه. إنه يحتاج إلى عدالة تعليمية ترى جانبيه معًا: موهبته التي تستحق الرعاية، وصعوبته التي تستحق الدعم.

لا تجعلوه يختار بينهما.

لا تقولوا له: عالج ضعفك أولًا، ثم عد إلينا بموهبتك.

فالموهبة لا تنتظر حتى تكتمل ملفاتنا، والطفولة لا تتوقف حتى نوفر المتخصصين، والثقة التي نهدمها اليوم قد لا يستطيع الطفل بناءها غدًا.

هذه دعوة إلى كل أب وأم، وكل معلم وقائد مدرسة، وكل مختص وصانع قرار:

انظروا جيدًا إلى الأطفال من حولكم.

قد يكون خلف القراءة المتعثرة عقل معماري يرسم مدن المستقبل.

وقد يكون خلف الكتابة البطيئة مخترع لم يجد بعد الأداة التي تساعده على التعبير.

وقد يكون خلف السلوك الذي لم نفهمه طفل موهوب أنهكه أن يعيش في بيئة لا تراه كاملًا.

ابحثوا عن مواطن الضوء فيهم، ولا تجعلوا اختلافهم تهمة.

اصنعوا لهم التهيئات، ودربوا المعلمين، واستمعوا إلى أسرهم، وابنوا جسورًا بين برامج الموهوبين وخدمات صعوبات التعلم. وإن عجزتم عن احتضانهم، فأرشدوهم إلى من يستطيع، وافعلوا ذلك بطريقة تحفظ كرامتهم وأملهم.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد:

لماذا تعثرت كلمات هذا الطفل؟

بل أصبح:

كيف امتلك طفلٌ كل هذا الضوء… ولم نرَ نحن إلا موضع العثرة؟

عقله كان يسبق الكلمات…

فلماذا عاقبناه على تعثّرها؟

#مزدوجو_الاستثنائية #الموهوبون #عسر_القراءة #الديسلكسيا #التعليم_الدامج #رعاية_الموهوبين #العدالة_التعليمية

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    بارك الله قلمك بالفعل القسوى تتجلى بتحاهل جميع عينات الطلبه وكأنه من لديه مشكله بعيداً عن عقله وتفكيره ووجدانه عباء ع الموهبه لايوجد انصاف ولا يوجد نظره عادله من قبل النظام التعليمي لهم هناك ثغره بالمعرفه ولابد ان يعاد النظر لهم مزدوجو الإستثنائيه جزاك الله خير الجزاء ع طرح القيم

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>