يعد نظام الإثبات السعودي خطوة مهمة في تطوير العدالة القضائية، إذ انه يمنح المحكمة سلطة تقديرية تمكّنها من إدارة الدعوى بما يحقق العدالة ويكفل حقوق الخصوم. وتبرز أهمية هذه السلطة في كونها لا تعمل بمعزل عن النظام، بل ضمن ضوابط تكفل العدالة وتمنع التعسف.
وتظهر هذه السلطة في أكثر من موضع داخل إجراءات الإثبات، مثل إمكانية عدول المحكمة عما أمرت به من إجراءات إذا رأت مبررًا لذلك، أو عدم الأخذ بنتيجة إجراء من إجراءات الإثبات مع بيان الأسباب في الحكم. كما تشمل نقل المحكمة لبعض إجراءات الإثبات إذا تعذر إجراؤها أمامها، مثل الاستجواب أو سماع الشهادة أو أداء اليمين، وهو ما يعكس مرونة النظام وقدرته على مواكبة ظروف التقاضي المختلفة.
ومن أبرز صور هذه السلطة كذلك جواز استجواب الخصم من تلقاء المحكمة أو بناءً على طلب أحد الخصوم، وجواز أمره بالحضور للاستجواب، مع ما يترتب على تخلفه أو امتناعه من آثار يقدّرها القاضي. وفي هذا السياق، لا تقف المحكمة موقفًا سلبيًا، بل تتدخل عندما ترى أن الحقيقة تحتاج إلى مزيد من الإيضاح، فتستخلص من الوقائع والقرائن ما يعينها على تكوين قناعتها.
وتكمن قوة هذا النهج في أنه يحقق التوازن بين نصوص النظام وواقع الخصومة؛ فالقاضي ليس مجرد منفذ آلي للإجراءات، بل هو باحث عن الحقيقة ضمن إطار منضبط. غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، لأن النظام قيدها بوجوب بيان الأسباب، وبمراعاة الأحكام الشرعية، حتى تبقى العدالة محكومة بالضوابط لا بالأهواء.
وعليه فإن السلطة التقديرية للمحكمة في نظام الإثبات ليست امتيازًا إجرائيًا فحسب، بل هي أداة لتحقيق عدالة أكثر نضجًا وفعالية. فهي تمنح القضاء القدرة على التعامل مع القضايا بمرونة، وتضمن في الوقت نفسه ألا تضيع الحقيقة بين الشكل والإجراء.