مع بداية شهر فبراير، طرحت سؤالا بسيطا في أحد الصفوف الجامعية: ما المهارات التي نحتاجها اليوم لنواكب الرؤية، ولنتجه بثقة إلى العالم؟
قادنا الحوار تدريجيًا إلى استعراض مفهوم المهارات الناعمة. حين سألت: ماذا نعني بالمهارات الناعمة؟ وهل سبق أن مرّ عليكن هذا المفهوم؟ لفتني في ذلك الحوار الإجابات المترددة، محاولات التعريف الخجولة، و الصمت الذي سبقها. بالنسبة لي لم يكن الصمت دليلًا على جهل، بل إشارة إلى غياب اللغة التي تضع كثيرًا من ممارساتنا اليومية ومهاراتنا الإنسانية في إطار مفهوم واضح يُسمّى “المهارات الناعمة.” نحن نمارس هذه المهارات، نصغي، نتحمل المسؤولية، نتخذ القرارات، ندير الخلافات الغير المتوقعة، ولكن القليل منا يسميها أو يؤطرها كمهارة ناعمة.
قبل بضعة أيام، حضرت ورشة مكثفة نظمها مختبر اللغة والتواصل بجامعة الأمير سلطان. لم تكن الأيام الثلاثة مجرد تدريب على أداة جديدة، بل فرصة لإعادة التفكير في سؤال أكبر: ماذا يعني أن نُدرّس في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ كان أكثر ما استوقفني في هذه التجربة فكرة تكررت بين السطور:أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة نستخدمها، بل مرآة تكشف عمق تفكيرنا وحدوده. سألنا الدكتور بلامن عن أكثر عشر مهارات نتوقع أن تشهد نموًا متسارعًا في سوق العمل خلال الأعوام الخمسة أو الستة القادمة. وعندما ذكرتُ حلّ المشكلات، والتعرّف على الأنماط، والربط بين الأفكار، والإبداع، علّق بأن تركيزي على هذه المهارات ليس مستغربًا بحكم خلفيتي في العلوم الإنسانية. ابتسمت حينها. نعم، أنا أؤمن بالمهارات الإنسانية، لكن ما إن ظهرت القائمة حتى اتضح التقاطع؛ فقد تصدّرتها مهارات الإبداع، والتفكير النقدي، والمرونة، والقدرة على التكيّف، بل كانت معظم المهارات الأعلى طلبًا إنسانية. نعم، لم يدهشني أن المهارات الأعلى طلبًا بحلول 2030 هي نفسها التي كنت أحاول تسميتها وتعزيزها، بل أن الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ هذه المهارات، بل كشف عن ضرورتها وأصبح وسيلة لاختبارها وتعزيزها. و لم يخطر ببالي أن أكون في ورشة تربطني بالفكرة ذاتها التي استعرضتها مع طالباتي، و أن تكتمل خيوط هذه المقالة مع انتهاء تلك الورشة.
قبل الورشة، كان ترددي في استخدام الذكاء الاصطناعي مع طالباتي نابعًا من قلقي أن يتحول إلى بديل عن التفكير، لا رفضًا للتقنية ذاتها. هذا الصباح، أدركت أن ما طُرح في هذه الورشة، لم يكن مجرد تدريب تقني أو تأملات لسد فجوة معرفية بين طرف “يعرف” وآخر “لا يعرف،” بل كان دعوة لوعي أعمق.التقاطع لم يكن صدفة زمنية. فجوهر التجربتين يشير إلى أننا من نحدد اتجاه الوجهة. لهذا قررت أن أخوض مع طالباتي تجارب لا يستخدمن فيها الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابة، بل كمرآة يفكرن من خلالها في أنفسهن. أن يرَيْن الفرق بين سؤال: “اكتب موضوعًا عن معنى الصداقة.” وبين: “تصرّف كطالبة جامعية تعيش في عصر وسائل التواصل، وناقش كيف أثّر العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي على مفهوم الصداقة.”
حين تذكرت طالباتي، الحيرة في الوجوه، الصمت، الأجوبة المتقطعة، والأسئلة غير المكتملة، أدركت أننا بحاجة إلى الانتقال من منطق المنافسة إلى منطق التكامل. كما يقول سايمون سينك: التركيز على تحسين الذات يقود إلى الابتكار، بينما التركيز على المنافسة يُبقينا في حالة ردّ فعل. بهذا الوعي، نطور مهاراتنا الإنسانية، وتصبح أكثر الأدوات تعقيدا شريكا لنا في رحلتنا. نكملها وتكملنا.