في خطوة تعكس عمق العناية بالتراث الوطني أعلنت هيئة التراث عن اكتشاف موقع أثري بارز في مستوطنة رأس القرية البحرية بالمنطقة الشرقية، ليكشف عن طبقات تاريخية متعاقبة تمتد لأكثر من ألف عام، تأكيداً أن أرض المملكة لا تزال تخبئ بين رمالها فصولاً حيّة من تاريخ الحضارات التي تعاقبت عليها.
وقد أسفرت أعمال التنقيب عن اكتشاف 147 وحدة معمارية متنوعة، شملت غرفاً وساحات وآباراً، في مشهد عمراني متكامل يعكس طبيعة الاستيطان القديم وأنماط الحياة اليومية للسكان، وتبرز هذه الوحدات فهماً متقدماً لأساليب البناء، كما تكشف عن اهتمام واضح بإدارة الموارد المائية، خاصة في البيئات الساحلية التي تتطلب حلولاً ذكية لتأمين المياه.
ومن أبرز اللقى الأثرية التي عُثر عليها درهم عباسي سُكّ في البصرة عام 148هـ، وهو اكتشاف يحمل دلالات اقتصادية وتاريخية مهمة، إذ يربط الموقع بشبكات التجارة والنشاط المالي في العصر العباسي، ويؤكد انفتاح المنطقة على حركة التبادل التجاري والثقافي في ذلك الزمن، كما تم العثور على أدوات زينة وخرز وأوانٍ فخارية وزجاجية وحجرية تعكس ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتمنح تصوراً دقيقاً عن الذوق الفني ومستوى الحرفية آنذاك.
وتشير نتائج التحليل الأثري إلى أن الاستيطان في الموقع امتد من فترات ما قبل الإسلام وصولاً إلى العصر الإسلامي المبكر، مع دلائل واضحة على نشاط ملحوظ خلال العصر العباسي، وتحديداً بين القرنين الثالث والرابع الهجريين، كما بينت تواريخ العينات العضوية المكتشفة نطاقاً زمنياً يتراوح بين 250–412م و645–773م، ما يؤكد استمرارية الاستيطان وتعدد مراحله التاريخية.
هذا الاكتشاف لا يمثل مجرد إضافة رقمية إلى سجل المواقع الأثرية، بل يعزز فهمنا للتحولات الحضارية التي شهدتها المنطقة الشرقية، ويؤكد دورها كمركز حيوي في مسارات التجارة والاستقرار البشري عبر العصور، كما ينسجم مع جهود المملكة في إبراز إرثها الثقافي العريق وترسيخ مكانتها كموطن لحضارات ضاربة في عمق التاريخ.
إن كل حجر يُكتشف وكل قطعة نقدية تُستخرج من باطن الأرض ليست مجرد أثر صامت، بل رسالة حيّة تعيد رسم ملامح الماضي، وتمنح الأجيال الحاضرة فهماً أعمق لجذورهم وهويتهم الممتدة عبر القرون.