يُعدّ التراث جزءًا أساسيًا من هوية المجتمع؛ فهو يعكس تاريخ الوطن وقيمه وعاداته التي انتقلت من جيل إلى جيل. ومع التطور الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية في مختلف المجالات، تزداد أهمية المحافظة على التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة، وتتحمل الأسرة الدور الأهم في هذا الجانب.
فالأسرة هي المكان الأول الذي يتعلم فيه الأبناء حب الوطن والاعتزاز بهويته، ومن خلالها يتعرف الأبناء على تراث منطقتهم وعاداتها. وتُعد الأحساء من المناطق الغنية بالتراث الأصيل، حيث تحرص الأسر الأحسائية على تعريف أبنائها بتاريخ الأحساء العريق، ومكانتها الحضارية، ودورها المهم في تاريخ المملكة.
وتلعب الأسرة في الأحساء دورًا كبيرًا في نقل التراث الشعبي للأبناء، مثل المحافظة على العادات الاجتماعية الأصيلة، واللباس الشعبي، والأكلات التراثية المشهورة كـ العيش الحساوي والهريس، حيث تشارك الأمهات أبناءهن في إعداد هذه الأكلات، مما يعزز ارتباطهم بتراث منطقتهم ويشعرهم بالفخر به.
كما تهتم الأسر الأحسائية بتعريف أبنائها بـ النخيل والزراعة التي تشتهر بها الأحساء، حيث تُعد واحة الأحساء من أكبر الواحات في العالم، وقد تم تسجيلها ضمن قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو. ويحرص الآباء على اصطحاب أبنائهم لزيارة المزارع والواحات، والتحدث معهم عن أهمية النخيل في حياة الأجداد ودوره في بناء اقتصاد المنطقة قديمًا.
ومن مظاهر التراث في الأحساء أيضًا الأسواق القديمة مثل سوق القيصرية، والمعالم التاريخية مثل قصر إبراهيم، حيث تسهم زيارة هذه المواقع في تعزيز وعي الأبناء بتاريخ منطقتهم، وتربطهم بالماضي العريق، وتساعد الأسرة أبناءها على فهم أهمية المحافظة على هذه المعالم بوصفها جزءًا من تراث الوطن.
ولا يقتصر دور الأسرة على نقل التراث المادي فقط، بل يمتد إلى غرس القيم الاجتماعية التي اشتهر بها المجتمع الأحسائي والسعودي عمومًا، مثل الكرم، والتعاون، واحترام الكبير، وحسن الجوار. وتظهر هذه القيم بوضوح في المجالس العائلية، والمناسبات الاجتماعية، والأعياد، حيث يتعلم الأبناء هذه القيم عمليًا من أسرهم.
وفي ظل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، أصبح الاهتمام بالتراث جزءًا من مسيرة التطور والتنمية، وقد أسهمت الرؤية في دعم المشاريع التي تهتم بالمواقع التراثية في الأحساء وتطويرها لتكون وجهات ثقافية وسياحية، مما يعزز دور الأسرة في توعية الأبناء بأهمية التراث وربطه بالتنمية الوطنية والانتماء للوطن.
ومع التقدم الذي تشهده المملكة، تقع على الأسرة مسؤولية كبيرة في تحقيق التوازن بين التطور والمحافظة على الهوية؛ فتعليم الأبناء استخدام الوسائل الحديثة للتعريف بتراث الأحساء، مثل توثيق العادات أو تصوير المواقع التراثية، يساعدهم على الجمع بين الأصالة والحداثة.
وفي الختام، يتضح أن الأسرة هي الأساس في نقل التراث إلى الأجيال الجديدة، وهي المسؤولة عن غرس حب الأحساء وتراثها في نفوس الأبناء، وتعزيز الاعتزاز بالقيم والانتماء الوطني. ومن خلال هذا الدور تسهم الأسرة في بناء جيل واعٍ بهويته، فخور بتراثه، وقادر على مواكبة التطور الذي تشهده المملكة في ظل رؤية 2030.