ليست عبارة تُقال للمجاملة، ولا توصيفًا عابرًا يمر في نشرات الأخبار، بل حقيقة راسخة تتجسد يومًا بعد يوم في تفاصيل المشهد العالمي. فمنذ اللحظة الأولى تشعر أنك أمام دولة تعرف قيمتها، وتدرك وزنها، ولا تبحث عن اعتراف أحد؛ لأنها صنعت اعتراف العالم بها بالفعل، لا بالكلام. فالسعودية لم تبنِ نفوذها بالضجيج ولا بالخطابات الانفعالية، وإنما بالهدوء الواثق، وبقرارات مدروسة تعرف متى تُتخذ، وكيف تُنفذ، ومتى تُترك آثارها تتكلم وحدها.
وحين نراقب حركة السياسة الدولية، ندرك أن هناك دولًا تصرخ ولا تُسمع، ودولًا تتكلم فيُعاد ترتيب الحسابات، والسعودية من الفئة الثانية؛ لأن صوتها حين يخرج يكون مدعومًا بثقل اقتصادي، وقوة سياسية، ومكانة روحية لا تمتلكها دولة أخرى.
وفي مثال حياتي بسيط نفهم المعنى دون تنظير؛ حين ترتفع أو تنخفض أسعار الوقود في بلد بعيد عن الخليج، فإن القرار لم يولد في تلك الدولة، بل كان انعكاسًا لحسابات دولية تعرف السعودية كيف تديرها بحكمة. وحين تجلس كبرى الدول حول طاولة واحدة لمناقشة الطاقة أو الاستقرار الإقليمي، يكون المقعد السعودي ثابتًا لا يُزاح؛ لأن العالم يعرف أن تجاهل الرياض خطأ مكلف. وهذا نفوذ يُمارس بهدوء لا استعراضًا، نفوذ نابع من فهم عميق لطبيعة المصالح وتشابكها، ومن إدراك أن القوة الحقيقية ليست في فرض الرأي، بل في جعل الآخرين يضعون رأيك ضمن حساباتهم الأساسية.
والسعودية لم تكتفِ بدورها التقليدي، بل أعادت تعريف نفسها في زمن قياسي. فمشروعاتها العملاقة لم تكن ترفًا، بل رسالة واضحة تقول إن هذه الدولة لا تعيش على ماضيها، بل تصنع مستقبلها بوعي. وحين ترى شركات عالمية تنقل مقارها، ومستثمرين يتزاحمون، وشبابًا من مختلف الدول يجدون في السعودية فرصة حقيقية للحياة والعمل، تدرك أن النفوذ هنا لم يعد سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا. وهذا النوع من النفوذ هو الأخطر والأبقى؛ لأنه يتسلل إلى العقول قبل القرارات.
وفي الأزمات يظهر الوزن الحقيقي للدول، والسعودية في لحظات الاضطراب لم تكن دولة ردّ فعل، بل دولة مبادرة؛ تارة تجمع الفرقاء، وتارة تضبط الإيقاع، وتارة ترفع سقف الحزم حين يصبح التهاون خطرًا. وهذا التوازن الدقيق بين القوة والحكمة لا تصنعه الصدفة، بل تصنعه خبرة تاريخية، ووعي سياسي، وإدراك بأن الاستقرار الإقليمي ليس شعارًا بل مسؤولية. ومن يتابع المشهد يرى كيف أن كثيرًا من الملفات الشائكة لا تجد طريقها للحل إلا حين تمر عبر بوابة الرياض.
حتى في الحياة اليومية العادية يظهر هذا الثقل دون أن نلتفت إليه؛ عامل بسيط يعمل في مشروع سعودي ضخم يغيّر حياة أسرته، طالب عربي يجد في الجامعات السعودية بيئة علمية حديثة، أسرة تزور المملكة فتشاهد تنظيمًا وبنية تحتية تعكس دولة تعرف ماذا تفعل. هذه التفاصيل الصغيرة هي في حقيقتها شواهد كبيرة على دولة لا تبني صورتها للإعلام فقط، بل تبني واقعًا يلمسه الناس.
وفي الختام، لا يمكن لأي قارئ منصف أن يتجاهل أن السعودية دولة ذات نفوذ وثقل دولي حقيقي؛ نفوذ لا يقوم على الضجيج ولا على استعراض القوة، بل على مزيج نادر من العقلانية والاستقرار والقدرة على التأثير. ومن لا يرى ذلك اليوم سيراه غدًا؛ لأن الدول التي تمشي بثبات لا تحتاج أن تلتفت لمن يشكك فيها، فخطواتها وحدها كافية لإقناع العالم.
ولنا لقاء الأسبوع القادم، إن شاء الله.