ما لم أضعه في الحسبان أن ثلاثة أرباع شعر رأسي قد سقط وما تبقى منه ابيض ،وأصبحتْ شهيتي للطعام ضعيفة ،وأسناني لا تعينني ومعدتي لا تقوى على الدهون وعروق دمي ضاقت ،وركبتاي بالكاد تحملني وتُؤذيني في الركوع والسجود ،وعظام ظهري تُؤلمني في نومي والجلوس ،وأنا أعتقد أن الصحة حديد لا يصدأ.
ما لم أضعه في الحسبان أن النوم الذي كان يجري خلفي ويراودني ،قد هجرني بعد التوقف عن العمل وصار شبح الفراغ يُطارد ساعات يومي ،وأن كل الرؤى التي كانت تُساورني وأتطلع إلى تحقيقها متى ما توقفتُ عن العمل ،تبددتْ وتبخرتْ ولم يعد لها مكان.
ما لم أضعه في الحسبان أن الأفكار والمعتقدات والتقاليد التي تربيتُ عليها وتعصبتُ لها ضد الآخر، وكنتُ من المشجعين لها والمدافعين عن حرمها والدعوة لها والمصارعين من أجل إعلاء شأنها ؛بدت كسحابة غيم سوداء تنقشع في إعادة النظر في تفاصيلها ونقد الضعيف منها والحكم عليها مهما كان.
ما لم أضعه في الحسبان أن المفاهيم التي أفنيت عمري في تأصيلها والجري وراء تنميتها ،أصبحتُ أخجل في النظر إلى ماضي سُلوكها ،ولا حوله ولا قوة لي في إعادة الزمن لتصحيحها ،فالمدرسة كانت من أجل الوظيفة لا التعلم والوظيفة من أجل الراتب والمكانة الاجتماعية لا الإبداع ،والراتب من أجل معيشة الأسرة ،وكل ذلك من أجل الشهوة والشهرة والتنافس مع الآخرين في سوق الاستهلاك.
ما لم أضعه في الحسبان أن السرعة أثناء القيادة والغش في المدرسة والبحث عن الواسطة ،والمُشاركة في الشَِجار وتجاوز النظام ،والتعصب في التمذهب الديني والرياضي والاجتماعي والسياسي ومعارضة الوالدين ،والزواج من أجل امرأة تخدم منزل كانت صرعة الفُحولة الطائشة واتباع الهوى ولا يمكن شطبها من الذكريات.
ما لم أضعه في الحسبان أني أفنيت عمري في جمع المال مخافة المستقبل وغدر الزمان وأنه هو الأمان ،واكتشفتُ فين رحلوا أني كنت خير حارس لما لا ينفع آخر العمر فالحرص والبُخل أقوى من طاقتي على التصرف حتى على نفسي والعيال.
ما لم أضعه في الحسبان أن صورة الآخر في مُخيلتي شيطان أمرد يهددني في مجتمعي وعقيدتي ووطني وإنسانيتي ،فاتضح لي أنه من فعل شحن تُراث ما سلف الذي أثقل ظهري فأبعدني عن قيم السَّلام والحب والاطمئنان.
ما لم أضعه في الحسبان أن عبادتي وطقوسي كانت غايتها ألا أدخل النَّار ،ولو كان ذلك على حساب الإهمال في حقوق وواجبات الناس والنيل منهم والحُكم على فسادهم ،وأني من أهل التقوى والصلاح.
هناك الكثير والكثير الذي لم نضعه في الحسبان ،فالحياةُ زمنٌ لا يعود إلى الوراء ولا ينفع النَّدم على ما فات ،وأنها بناء التقوى داخل مكنون الإنسان ،الذي يعي وجوده ويستثمر كل الفُرص في التَّعاون والبناء مع الآخر من أجل هدف الحياة الكريمة التي ثمرتها وغايتها رضا الله وطعمها السَّعادة التي لم نضعها في الحسبان ،فهل مازال الوقت يُسعفنا بالاعتراف لا بالنكران؟