عندما انتهينا من معرض “الحرف اليدوية… إرث مستدام للمستقبل” المصاحب لملتقى الحِرَف اليدوية في جامعة الملك فيصل، تزامنًا مع عام الحرف اليدوية ٢٠٢٥، لم يكن الشعور الذي رافقني شعورًا بالختام. بل وجدت نفسي في شبكة معقّدة من الأفكار والتساؤلات، وكأنها محاولة من عقلي لرسم خارطة جديدة لفهم أعمق لمعنى الحرف اليدوية كتراث ثقافي غير مادي.
تساءلت بيني وبين نفسي:
أنتِ متخصصة في اللغة والثقافة، لكن ما حكايتك مع الحِرفة؟ وما الذي يعيدك إلى التراث مرة بعد أخرى؟
حين قررت أن أتمدد مع خيوط الذاكرة، استسلمت طواعية لحركتها، دون أن أنشغل بترتيب زمني للتجارب.
تركت خيوطها تنسج شبكة من المعاني؛شبكة لا تكتفي بربط الأحداث، بل تحدد لي معالم كل تجربةٍ ساهمت في تشكيل فهم أوسع، وفي توقيت لم أختره. عندها أدركت: لم تكن هذه أول مرة أقترب فيها من الحِرف اليدوية، ولم يكن هذا المعرض هو البداية.
في عام ٢٠٢٢، قدت مبادرة عن الحرف والحرفيين في جامعتي، جامعة الملك فيصل، ركّزنا فيها على الإنسان خلف المنتج. كل قطعة حِرفية كانت تحمل يدًا، وذاكرة، وقصة تستحق أن تُرى. كانت الرسالة واضحة: أن نلتفت لما وراء المنتج، للجهد والقصص التي تحفظ هذا المعنى الثقافي حيًّا.
وفي عام ٢٠٢٤، كشفت لي تجربة الإشراف على فريق طلابي يعمل على مشروع حول التراث الوطني بعدًا جديدًا للحِرفة: ليست مجرد مهارة، بل لغة تُعبّر عن الهوية والمشاعر. من خلال لقاءاتنا مع الحرفيات، رأينا كيف تتداخل المشاعر، واللغة في تشكيل المعنى، وكيف تتحوّل الأقمشة، أو الخشب، أو الخيوط إلى مساحة للتعبير، والمقاومة، والاعتزاز بالذات. حتى اللغة المستخدمة في وصف تجربتهن كشفت لنا معانٍ مجازية تعبّر عن الحرفة كتنفّس، وكعزاء، وكقوة ناعمة.
أما في عام ٢٠٢٥، فقد دخلت الأرض بوضوح في معادلة الفهم. هذا العام أصبح نقطة تحوّل معرفي، لا مجرد امتداد. أصبح المكان — بجباله وعيونه ونخيله وصحرائه — شريكًا في تشكيل معنى الحرفة، وصارت الحِرفة صوتًا ملموسًا يجسّد العلاقة الطويلة بين الإنسان وأرضه و تكشف لنا كيف يعيش، كيف يشكّل من خلالها المكان الذي يسكنه، وكيف تتحول إلى مرآة لتجاربه الإنسانية التي من خلالها يجسّد قيمه التي يعيشها في ممارساته اليومية.
حين بدأت أتأمل هذه الأعوام، لم أعد أرى مشاريع أو تجارب متفرقة، بل نسيج من المعاني وفهما يتكشف تدريجيًا كلما تكررت التجربة وازداد التأمل والقرب. لم يتغيّر الموضوع، لكن زاوية الرؤية تغيّرت. كان المعنى يتشكّل تدريجيًا، عبر كل تفاعل، كل تأمل، وكل خطوة نحو الحرفة. وما بدا تكرارًا كان في الحقيقة فعلًا بنائيًا، فكل مشروع لم يكن مجرد إنجاز، بل طبقة جديدة من الوعي. وما ظننته نهاية، كان بداية لفهم أعمق للمعنى.
نعم، اتضحت لي حقيقة جديدة مع نهاية هذا العام: ربما لا نعود للتجربة لأنها لم تكتمل، بل لأنها تدعونا لفهمٍ أعمق… لصنع معنى جديد، نشاركه، أو نرسم من خلاله مسارًا لتجاربنا ومشاريعنا –الشخصية، والوطنية، والعالمية.
د.هاجر خليفه السلطان
أستاذ مساعد الثقافة وتعليم اللغة الانجليزية كلغة ثانية/أجنبية
جامعة الملك فيصل