حين ينحني المجتمع للمعلم فهو لا ينحني لشخص بل ينحني للمعنى للوعي للعقل الذي يصنع المستقبل ولليد التي تزرع القيم قبل أن تزرع الحروف إن انحناء المجتمع للمعلم ليس ضعفًا بل هو ذروة القوة لأن المجتمعات القوية وحدها هي التي تدرك أن المعلم هو العمود الفقري لأي نهضة حقيقية وأن كل مشروع دولة يبدأ من الفصل وكل رؤية وطن تبدأ من السبورة
المعلم ليس موظفًا عاديًا ولا رقمًا في جهاز إداري ولا ترسًا صامتًا في آلة كبيرة المعلم هو صانع الإنسان ومهندس العقول وحارس الهوية ومرآة القيم وحين تضعف مكانة المعلم يضعف المجتمع كله وحين تُمس كرامته تُمس هيبة المعرفة وحين يُهمّش تتسلل الفوضى إلى الوعي قبل أن تتسلل إلى الشارع
في الثقافة العربية والسعودية على وجه الخصوص ظل المعلم دائمًا رمزًا للهيبة والوقار مرتبطًا بالقيم وبالدين وبالأخلاق وبالرسالة لم يكن التعليم يومًا مجرد مهنة بل كان رسالة سامية وكان المعلم صاحب مقام تُخفض له الأصوات وتُفتح له القلوب قبل الأبواب وهذا الإدراك العميق هو ما جعل التعليم في المملكة ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة لا شعارًا بل فعلًا واستثمارًا ورؤية بعيدة المدى
وحين ننظر إلى مشروع الدولة السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز نجد أن التعليم لم يكن ملفًا هامشيًا بل كان دائمًا في صدارة الاهتمام إيمان واضح بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية وأن بناء الإنسان يبدأ من تعليم قوي ومعلم محترم ومؤسسة تعليمية تُدار بعقل الدولة لا بعقل الروتين الملك سلمان لم ينظر للتعليم كتكلفة بل كاستثمار استراتيجي في أمن الوطن ومستقبله
ثم جاءت رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رؤية جريئة صادمة أحيانًا لكنها صادقة وواضحة رؤية 2030 لم تتحدث عن ناطحات سحاب فقط ولا عن اقتصاد متنوع فحسب بل تحدثت عن عقل سعودي جديد عن تعليم مختلف عن معلم مؤهل، قادر مدعوم ومشارك في صناعة التحول لأن أي تحول اقتصادي أو تقني بلا تعليم قوي هو تحول هش مؤقت قابل للانهيار
في هذه الرؤية لم يعد المعلم مجرد ناقل للمعلومة بل شريكًا في بناء المستقبل وصانعًا للمهارة ومُشكّلًا للعقل النقدي ومحركًا للإبداع وهذا التحول يتطلب مجتمعًا يُعيد النظر في علاقته بالمعلم لا باعتباره سلطة فوقية ولا كخادم للخدمة بل كقائد فكري داخل المدرسة وصاحب رسالة داخل المجتمع
حين ينحني المجتمع للمعلم فهو يعترف ضمنيًا بأن الجهل أخطر من الفقر وأن انهيار القيم أخطر من انهيار الاقتصاد وأن خسارة معلم واحد محترم أخطر من خسارة مشروع كامل المعلم الذي يشعر بالأمان وبالتقدير وبالعدالة يُنتج أجيالًا واثقة منضبطة مبدعة تعرف من هي وإلى أين تسير
والمجتمع السعودي بما يملكه من وعي وبما يحمله من إرث ديني وأخلاقي وبما يعيشه من تحول تاريخي مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى حماية مكانة المعلم لا بالكلام بل بالممارسة اليومية بالخطاب الإعلامي بالسياسات وبالثقافة العامة لأن احترام المعلم ليس قرارًا إداريًا فقط بل سلوكًا مجتمعيًا يبدأ من البيت ويمر بالمدرسة ويُكرّس في الإعلام
المعلم الذي يُهان لا يستطيع أن يزرع الكرامة والمعلم الذي يُهمّش لا يستطيع أن يبني عقلًا حرًا والمعلم الذي يُثقل بالأعباء دون تقدير لا يستطيع أن يكون مُلهمًا وهذه معادلات بسيطة لكنها حاسمة في مصير الأمم
إن انحناء المجتمع للمعلم لا يعني تقديس الأشخاص بل تقديس الدور لا يعني إلغاء المحاسبة بل يعني العدالة لا يعني الجمود بل يعني تمكين من يستحق وهذا هو جوهر الرؤية السعودية الحديثة دولة قوية عادلة تحترم الإنسان وتبني المستقبل على أساس العلم والعمل
وفي الختام أقولها بوضوح لا يقبل التأويل حين ينحني المجتمع للمعلم يقف الوطن كله منتصبًا وحين يُرفع المعلم إلى مكانته الطبيعية تُرفع الأمة بأكملها التعليم ليس ملفًا والمعلم ليس تفصيلة بل هما قلب الدولة النابض وسر بقائها وضمان مستقبلها ومن يفهم هذه الحقيقة لا يخسر أبدًا
ولنا لقاء الأسبوع القادم إن شاء الله