د.جواهر الروقي تكتب: الحضور الذي لا يعني وجودًا

التعليقات: 0
د.جواهر الروقي تكتب: الحضور الذي لا يعني وجودًا
بقلم
https://wahhnews.com/?p=111730
د.جواهر الروقي تكتب: الحضور الذي لا يعني وجودًا
الواحة نيوز

ليس كل من يجلس إلى جوارك حاضرًا، وليس كل من يبادلك الحديث يمنحك انتباهه؛ فثمة غياب لا تصنعه المسافات، بل تصنعه القلوب حين تنشغل عن بعضها، والأذهان حين تحضر في أماكن أخرى، حتى يصبح الإنسان بين الناس بجسده، لكنه بعيد عنهم بشعوره ، يجلس في المجلس، يشارك الحديث، يبتسم للمواقف، وربما يجيب عن كل سؤال، لكنه لا يمنح من أمامه إلا جزءًا من انتباهه، وكأن الحضور أصبح عادة اجتماعية نؤديها، لا حالة إنسانية نعيشها.

ولعل أكثر ما يثير التأمل في علاقاتنا اليوم أننا نعيش عصرًا لم يسبق أن امتلك فيه الإنسان كل هذه الوسائل للوصول إلى الآخرين، ومع ذلك أصبح الوصول الحقيقي أكثر صعوبة؛ رسائل لا تنقطع، ومحادثات تمتد طوال اليوم، وعبارات صباحية ومسائية، وسؤال متكرر عن الأحوال، لكن خلف هذا الزحام الرقمي قد تختبئ مساحات واسعة من الوحدة العاطفية ، نعرف أخبار بعضنا، ونتابع تفاصيل أيام بعضنا، لكننا قد لا نعرف ما الذي أثقل قلب أحدنا، أو ما الذي غيّر نبرة صوته، أو لماذا أصبح صمته أطول من المعتاد. لقد تعلمنا كيف نتبادل الكلمات، لكننا لم نتعلم دائمًا كيف نمنحها روحًا.

وتبدأ المشكلة حين نخلط بين التواصل والاحتواء؛ فالتواصل قد يكون رسالة تصل في لحظتها، أما الاحتواء فهو شعور يصل إلى أعماق الإنسان ، قد تسأل شخصًا عن حاله عشر مرات، دون أن تمنحه فرصة واحدة ليخبرك بما يشعر به فعلًا، وقد تجلس إلى جواره ساعات دون أن يشعر أنك رأيته ، فالاهتمام ليس في كثرة الأسئلة، وإنما في صدق الإصغاء، وليس في سرعة الرد، وإنما في نوعية الشعور الذي تتركه كلماتك، وليس في أن تعرف تفاصيل حياة الآخر، بل أن تنتبه إلى ما لا يقوله منها.

وهنا تتسع المفارقة لتصل إلى أقرب العلاقات؛ فقد تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، وينشغل كل فرد بعالمه الصغير، وقد يجلس الأصدقاء في مكان واحد، بينما تتوزع عيونهم بين الشاشات، وقد يعيش شخصان تفاصيل يومية مشتركة دون أن يتبادلا لحظة إنصات حقيقية ، ومع تكرار ذلك يصبح اللقاء مجرد تزامن للأجساد، وتتحول العلاقة إلى روتين من الرسائل والمجاملات، حتى يعتاد الإنسان أن يكون محاطًا بالآخرين دون أن يشعر بأنه قريب من أحد.

وليس كل صمت جفاء، ولا كل انشغال دليلًا على ضعف المودة؛ فالإنسان قد يتعب، وقد تضيق به نفسه، وقد يحتاج إلى مساحة ينفرد فيها بذاته، لكن الفرق أن من يحمل لك مودة صادقة لا يجعل غيابه عادة، ولا يحوّل انشغاله إلى تجاهل دائم، بل يعرف كيف يعود إليك بحضور يشعرّك بأن مكانك لم يتغير. فالعلاقات لا تحتاج إلى حضور مستمر بقدر ما تحتاج إلى حضور صادق، ولا تحتاج إلى كثرة الوعود بقدر ما تحتاج إلى مواقف تمنح الطمأنينة.

ولعل في هدي النبي ﷺ ما يعيد إلينا المعنى الأصيل لهذا الحضور؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يُقبل على محدّثه، ويمنحه اهتمامه، ويستمع إليه، ويعامل الناس بما يشعرهم بقيمتهم. وفي وصيته الجامعة: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» رواه مسلم، إشارة إلى أن المعروف ليس دائمًا فعلًا عظيمًا أو عطاءً ماديًا، فقد يكون وجهًا بشوشًا، أو كلمة طيبة، أو اهتمامًا صادقًا يخفف عن إنسان ثقل يومه ، وهكذا يصبح الحضور عبادة في معناه الإنساني حين تقترن به الرحمة وحسن المعاملة.

وقد قال الشاعر:
وما المرءُ إلا بإخوانِهِ
كما تقبضُ الكفُّ بالمعصمِ

فالعلاقات لا تمنح الإنسان قيمتها بمجرد وجود الآخرين حوله، وإنما بما تنشئه بينهم من مودة وسند وأمان. وما أكثر الذين لا يحتاجون إلى من يملأ أوقاتهم بالكلام، وإنما إلى من يمنحهم شعورًا بأن مشاعرهم ليست هامشًا في حياة أحد، وأن صمتهم مفهوم، وأن حضورهم محل تقدير، دون أن يضطروا في كل مرة إلى طلب الاهتمام أو شرح احتياجهم إليه ، إننا لا نفتقد الناس دائمًا حين يرحلون، فقد نفتقدهم وهم يجلسون أمامنا، حين تتكرر اللقاءات دون أن تتجدد الألفة، وحين تتضاعف الرسائل دون أن يزداد القرب، وحين تصبح العلاقة مليئة بالتواصل وفقيرة في الشعور. وربما لهذا أصبحت بعض المجالس أكثر وحدة من العزلة، وبعض المحادثات أكثر برودة من الصمت؛ لأن الإنسان لا يبحث عن مجرد شخص يشاركه المكان أو يبادله الكلمات، بل يبحث عمن يشعر معه أن وجوده مرئي ومسموع ومقدّر.

وفي نهاية الأمر، ليست العبرة بمن حضر، ولا بعدد الرسائل التي أرسلها، بل بما تركه حضوره في نفس من كان معه؛ فهناك من يمر بكلمات قليلة ويمنحك طمأنينة طويلة، وهناك من يلازمك بالحديث ولا يترك في داخلك إلا فراغًا أكبر ، فلا تجعل حضورك مجرد صورة يراها الآخرون، بل اجعله شعورًا يجدونه فيك؛ لأن الإنسان قد ينسى كثيرًا مما قيل له، لكنه لا ينسى كيف شعر وهو بين أيدي من أحب ، فالحضور الحقيقي ليس أن تجلس أمامي، ولا أن تكتب لي كل يوم، بل أن أشعر أنني حين أكون معك، لست مضطرًا إلى البحث عنك .

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>