محمد بن ناحل يكتب: حين تتغير المصالح.. تُعاد قراءة التحالفات

التعليقات: 0
محمد بن ناحل يكتب: حين تتغير المصالح.. تُعاد قراءة التحالفات
https://wahhnews.com/?p=109276
محمد بن ناحل يكتب: حين تتغير المصالح.. تُعاد قراءة التحالفات
الواحة نيوز

في العلاقات الدولية لا تكفي الذاكرة لصناعة التحالفات، ولا يستطيع التاريخ وحده أن يضمن استمرارها. فالدول، مهما تقاربت اجتماعيًا وجغرافيًا، تعيد قراءة علاقاتها عندما تتغير خرائط المصالح وموازين القوة ومصادر التهديد.

ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة موقع المملكة العربية السعودية في الخليج والشرق الأوسط. فالرياض ليست طرفًا عابرًا في معادلة المنطقة، بل دولة يرتبط بثقلها أمن الخليج، واستقرار أسواق الطاقة، وسلامة البحر الأحمر، وموازين القوة في الجزيرة العربية. ولهذا فإن أي تحرك إقليمي يقترب من هذه الدوائر لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المصالح الاستراتيجية السعودية.

تبدأ المعضلة حين تنتقل العلاقة بين دولتين متحالفتين تاريخيًا من تكامل المصالح إلى تنافس المصالح، وحين تتحول بعض الملفات المشتركة إلى ساحات لاختلاف الرؤى والحسابات؛ من اليمن والموانئ والجزر والممرات البحرية، إلى الطاقة والتحالفات الإقليمية الجديدة.

وفي الحالة السعودية–الإماراتية، لا ينبغي اختزال المسألة في خصومة سياسية أو خلاف عابر، بل قراءتها من زاوية أكثر صرامة: هل ما زالت بنية المصالح بين الرياض وأبوظبي متطابقة بالقدر الذي كانت عليه في مراحل سابقة؟

هذا هو السؤال الاستراتيجي الحقيقي.

فاليمن لم يعد مجرد ملف داخلي، وإنما أصبح جزءًا من معادلة أوسع تتصل بأمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر وباب المندب. ومع تصاعد أهمية السواحل والجزر والموانئ في حسابات القوى الإقليمية والدولية، أصبحت الجغرافيا اليمنية نفسها جزءًا مباشرًا من حسابات الأمن القومي السعودي.

فمن يمتلك النفوذ على الساحل اليمني لا يمتلك أرضًا فقط؛ بل يقترب من خطوط التجارة والطاقة والموانئ والممر البحري الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر. ولذلك لا تستطيع المملكة التعامل مع التحولات في اليمن باعتبارها تفاصيل تخص أطرافًا محلية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل محتملة لميزان القوة على حدودها الجنوبية وفي مجالها البحري المباشر.

ومن هنا يصبح تقييم العلاقة مع أبوظبي أكثر تعقيدًا من لغة الأخوة أو الخصومة. فالسياسة الرشيدة لا تقطع علاقة لمجرد الاختلاف في ملف، كما أنها لا تستمر بالصيغة القديمة لمجرد أن تاريخها كان وثيقًا.

فالتحالف الحقيقي ليس إرثًا محفوظًا، بل معادلة مصالح يجري اختبارها باستمرار.

ولهذا فإن السؤال أمام الرياض لا ينحصر بين القطيعة أو استمرار العلاقة بشروطها القديمة، وإنما يتعلق بكيفية إعادة تعريفها وفق معيار واضح: ما الذي يخدم الأمن القومي السعودي؟ وما الذي يتعارض معه؟ وأين ينتهي التنافس الطبيعي بين الدول وتبدأ المصالح الاستراتيجية المتباعدة؟

وقد تكون إعادة ضبط العلاقة أكثر فاعلية من القطيعة؛ عبر مراجعة مستويات التعاون، وإعادة تقييم الملفات المشتركة، وتحصين الحدود والممرات البحرية، وتنويع الشراكات، وتعزيز قدرة المملكة على حماية مصالحها باستقلالية عن حسابات أي قوة إقليمية أخرى.

فالدولة الكبرى لا تجعل سياستها الخارجية أسيرة الغضب، لكنها كذلك لا تجعل تاريخ الصداقة قيدًا على مصالحها.

وحين تتغير البيئة الاستراتيجية، يصبح من مقتضيات السياسة أن تعيد الدولة قراءة دوائر الشراكة والمنافسة والاختلاف وفق الواقع الجديد؛ لأن العلاقات بين الدول لا تقاس بما كانت عليه بالأمس، وإنما بما تضيفه إلى أمن الدولة ومصالحها اليوم وغدًا.

فالحدود الدائمة في السياسة ليست حدود الصداقة والخصومة، وإنما حدود السيادة والمصلحة الوطنية.

وحين يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية، فإن أمنها القومي، وسلامة حدودها، وممراتها البحرية، ومكانتها الإقليمية ليست أوراقًا للمجاملة السياسية، بل ثوابت تُقاس على أساسها قيمة كل تحالف، قديمًا كان أم جديدًا.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>