منهال الجلواح يكتب: برد القرية ودفء الإبداع

التعليقات: 0
منهال الجلواح يكتب: برد القرية ودفء الإبداع
منهال الجلواح
https://wahhnews.com/?p=109266
منهال الجلواح يكتب: برد القرية ودفء الإبداع
الواحة نيوز

في المجتمعات التي تخفت فيها حرارة التواصل، يتراجع ذلك الشعور العميق بالانتماء الذي يبقي الإنسان جزءًا من نسيجٍ حيّ. وعندما تبرد القرية بمعناها الرمزي—البيئة، المجتمع، الجماعة—يبدأ الفرد في البحث عن دفءٍ بديل، دفءٍ لا تمنحه العلاقات، بل يصنعه هو من أعماقه. في هذه اللحظة تحديدًا، يتحوّل الإبداع من موهبة إلى ضرورة، ومن ترفٍ إلى وسيلة نجاة، ومن تعبيرٍ جمالي إلى محاولة لاستعادة حرارة افتقدها الإنسان في محيطه.

المثل الإفريقي: «الطفل الذي لا تحتضنه القرية سيحرقها ليشعر بالدفء»

لا يصف فعلًا عنيفًا، بل يصف فراغًا عاطفيًا. يصف القرية حين تبرد، والإنسان حين يبحث عن دفءٍ بديل… فيصنعه بالإبداع.

تُظهر الدراسات الحديثة أن المجتمعات التي تتراجع فيها مظاهر الاحتواء تخلق ما يسميه علماء النفس بـ”البرد الاجتماعي”،وهو الارتباط العصبي والنفسي بين الشعور بالوحدة أو العزلة الاجتماعية والإحساس الفعلي بالبرد الجسدي.

وهو حالة من الانفصال العاطفي تجعل الفرد يشعر بأن وجوده غير مرئي.

تقرير Harvard Center for Human Development – 2022 يؤكد أن غياب الدعم الاجتماعي المبكر يرفع مستويات التوتر الوجودي، ويدفع الإنسان لاحقًا إلى البحث عن طرق لافتة للنظر كي يثبت حضوره. أما دراسة Stanford Social Neuroscience Lab – 2021 فتشير إلى أن التجاهل الاجتماعي ينشّط مناطق في الدماغ ترتبط بالألم الجسدي، مما يجعل الفرد يسعى إلى تعويض هذا الألم عبر الإبداع أو التفوق أو التمرّد.

في هذا السياق، يصبح الإبداع ليس مجرد موهبة، بل آلية دفاعية نفسية. فالمبدع لا يكتب ليُصفّق له أحد، ولا يرسم ليُقال إنه بارع، بل يخلق عالمًا بديلًا يمنحه دفئًا لم يجده في القرية.

تقرير ايضا لAmerican Psychological Association – 2023 يوضح أن 70% من المبدعين العالميين مرّوا بتجارب شعورية مرتبطة بالتجاهل أو عدم الفهم في مراحل مبكرة من حياتهم، وأن هذه التجارب صنعت لديهم حساسية عالية تجاه العالم، ورغبة في التعبير، وشعورًا بأن الإبداع هو الطريق الوحيد ليصبحوا مرئيين.

الإبداع هنا ليس نارًا تحرق القرية، بل نورًا يشعل الأماكن التي أطفأها التجاهل. فالمبدع لا يثور على المجتمع بقدر ما يثور على الصمت. يخلق لغة جديدة، ومساحة داخلية تتسع لما لم تتسع له القرية، ويحوّل الألم إلى معنى، والفراغ إلى خيال، والصمت إلى صوت.

ومع ذلك، ليست القرية محكومة بالبرد. يمكنها أن تستعيد دفئها حين تعود إلى أبسط أشكال الإنسانية: الإنصات والإحتواء الحقيقي، احترام الاختلاف بين أفرادها، تشجيع الأسئلة غير المألوفة، وتوفير مساحات آمنة للتجربة. فالإبداع لا ينمو في القرى التي تطلب من الجميع أن يكونوا نسخًا متشابهة، بل في القرى التي تمنح كل فرد حقه في أن يكون نفسه.

في النهاية، برد القرية ليس قدرًا، ودفء الإبداع ليس صدفة. إنه تفاعل إنساني عميق بين مجتمعٍ يغفل، وإنسانٍ يرفض أن يختفي. الإبداع ليس محاولة لإحراق القرية، بل محاولة لإضاءة الطريق. وكل مبدع هو دفءٌ جديد يولد من مكانٍ ما، ليعيد للقرية حرارتها التي فقدتها.

 

 

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>