تشكل تجربة المملكة العربية السعودية نموذجًا استثنائيًا في تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة؛ حيث لم يكن الأمن مجرد منظومة إجرائية، بل ركيزة أساسية اقترنت بالمسيرة التاريخية والاجتماعية والتنموية للبلاد من عهد التأسيس وحتى الحاضر المشرق.
وفي هذا السياق الممتد، جاء تنظيم مؤتمر حوار الأمن والتاريخ 2026 ليكون حدثًا فكريًا ووطنياً بارزًا استعرض هذه التجربة الملهمة وقرأ تحولاتِها المتسارعة. اكتسبت إقامة هذا المؤتمر أهمية خاصة ورمزية عميقة مع اختتام أعماله اليوم 8 سبتمبر 2026م بقصر الثقافة في حي السفارات بالرياض، وهي فترة زمنية تفصلنا عنها أيام قليلة فقط عن اليوم الوطني السعودي. هذا التزامن سلط الضوء على الربط الفكري بين استحضار الإرث التاريخي والاعتزاز بالتضحيات التي رسخت استقرار الوطن، وبين الاحتفاء بالهوية الوطنية والتنمية المستدامة تحت مظلة قيادة حكيمة جعلت من الأمن أساسًا للازدهار والرخاء.
وقد أُقيم المؤتمر تحت رعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز، وزير الداخلية، وبتنظيم من وزارة الداخلية وشراكة رئيسية مع دارة الملك عبدالعزيز، وبمشاركة جهات استراتيجية بارزة مثل الهيئة الملكية لمدينة الرياض وأكاديمية طويق وشركة تحكم. وتحت شعار «تاريخنا ومستقبلنا أمن ونماء»، جمعت هذه التظاهرة الوطنية نخبة واسعة شملت أكثر من 160 متحدثًا وطنيًا ودوليًا من أصحاب السمو والمعالي والخبراء، مع مشاركة أكثر من 30 جهة حكومية وأكاديمية واستقبال الآلاف من الزوار للتبادل المعرفي عبر أكثر من 65 جلسة حوارية وتفاعلية تمتد لمسارين رئيسيين هما منصة الحوار ومسرح الأمن والتاريخ.
هدف المؤتمر إلى تقديم محتوى معرفي يوثق تاريخ الأمن وأثره المحوري في بناء الدولة وتعزيز المواطنة الصالحة والوعي الوطني. وتنوعت محاور المؤتمر وجلساته لتغطي زوايا متعددة تتوزع بين قراءة تاريخية متعمقة لمسيرة الأمن من عهد التأسيس والتوحيد، واستعراض رعاية الحرمين الشريفين كأنموذج سعودي راسخ عنوانه الأمان وخدمة ضيوف الرحمن. كما ناقش أدوات المستقبل الأمنية المتمثلة في الوعي الرقمي والذكاء الاصطناعي والحلول التقنية المبتكرة الداعمة للاستثمار والجودة، مع التركيز في يومه الختامي على دور المرأة والأسرة والشباب في بناء المجتمع الآمن وترسيخ الوعي الوطني وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والتسامح. إضافة إلى ذلك، تطرق المؤتمر إلى دور الآداب والفنون والتراث العمراني والعسكري في صياغة الذاكرة الوطنية ونقلها للجيل القادم، إلى جانب تسليط الضوء على دور المملكة المحوري في تحقيق الأمن والسلم الإقليمي والدولي وبناء الشراكات التنموية.
إن اختتام مؤتمر حوار الأمن والتاريخ في هذا التوقيت الذي يسبق اليوم الوطني يمثل محطة فكرية وطنية جسدت مفهوم العطاء والاستقرار، فالأمن ليس مجرد حاضر نعيشه، بل هو تاريخ عريق بُني بجهود ورؤى متواصلة، ومستقبل واعد يُصنع بأيدي أبناء الوطن وشبابه.