ارتبط شهر سبتمبر في وجدان السعوديين بذاكرة ضوئية تسرد حكاية وطن تأسس على الحكمة والشجاعة، ليتحول هذا الشهر من مجرد نطاق زمني في التقويم إلى فصل سنوي لتجديد المحبة واستعادة أمجاد اليوم الوطني.
ليس سبتمبر مجرد بداية للخريف بل هو الموسم الذي ترتد فيه المدن والقرى رداءها الأخضر، وتنطلق فيه مشاعر الفخر لتروي كيف لمّ الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- شتات هذه الأرجاء في لملوم واحد تحت راية التوحيد.
وفي هذه الملحمة التاريخية، تشخص الأحساء بكبريائها وتاريخها كإحدى الركائز الكبرى التي رجحت كفة التاريخ.
إن واحة الأحساء بآبارها ونخيلها الممتد كفرسان يحرسون أطراف الصحراء، لم تكن مجرد بقعة جغرافية انضمت لركاب الدولة، بل كانت شرياناً اقتصادياً واستراتيجياً أمدّ حركة التوحيد بالدعم والمنعة، من قلب بواباتها التاريخية وقصورها الشامخة، أعلن الأحسائيون بيعتهم للمؤسس في بيت الملا ( بيت البيعة) لتبدأ مرحلة جديدة من الأمان والانزياح عن عهود الخوف والصراع، معززين بذلك اللحمة الوطنية التي أصبحت نسيجاً عصياً على الانكسار.
ولم تكن هذه البطولات حكراً على الرجال، إذ يقف التاريخ إجلالاً أمام دور المرأة السعودية التي شكلت عمقاً استراتيجياً وسنداً كفاحياً في مسيرة التوحيد، تتصدرهن الأميرة نورة بنت عبد الرحمن آل سعود، أخت المؤسس وشقيقته التي كانت ملهمته وسنده في أحلك الظروف وصاحبة الرأي والحكمة التي اعتز بها الملك عبد العزيز حتى جعل من قوله “أنا أخو نورة” نخوة ورمزاً للقوة والافتخار.
كما لا يمكن إغفال سِيَر أمهات وزوجات ونساء القبائل والمدن اللاتي تحملن مرارة الغياب، وششددن أزر الفرسان، وربين الجيل على حب الأرض والتضحية في سبيل رفعتها، وشاركن في إمداد العتاد ورعاية المقاتلين.
يأتي سبتمبر كل عام ليذكر السعوديين بأن ما يعيشونه اليوم من نهضة واستقرار ليس وليد المصادفة، بل هو غراس أولئك الأبطال والبطلات، إنه شهرُ رد الجميل للذاكرة، احتفاءٌ بأرض الأحساء التي وهبت الخير، وإجلالٌ للمرأة التي صنعت الأجيال، وتجديدٌ لعهد الولاء لوطنٍ يطال بسحاب سماءِ سبتمبر أوج مجده وعليائه.