لم تكن المقاعد المصطفة في قاعات برنامج «قصة أمل» مجرد أماكن للجلوس، ولم تكن الشاشات المعروضة مجرد وسيلة لتلقين الخطوات؛ بل كانت أشبه بورشة عمل حية صُممت لتعيد صياغة علاقة المرأة السعودية بالوعي، والمال، والمجتمع، والمستقبل.
هناك، خلف تلك الجدران، تخلت المعرفة عن رداءها الأكاديمي الجاف، لترتدي ثوب التمكين، وتتحول من «محتوى تدريبي» إلى «أداة بناء واستدامة» تلمس تفاصيل الحياة اليومية للمرأة وتلبي احتياجاتها الحالية.
في هذا الحراك المعرفي، تقود الدكتورة منيرة العامر (أستاذ القانون الخاص المساعد بجامعة الملك فيصل) مرحلة التحول الفكري من خلال تقديم وحدتين تدريبيتين متكاملتين؛ الأولى اقتصادية تشغيلية، والأخرى قانونية حمائية.
وبأسلوب سردي يبتعد عن جمود التلقين، تروي الدكتورة لـ «الواحة نيوز» كواليس هذه الرحلة، وكيف تحولت قاعات التدريب إلى مصانع حقيقية لصناعة الأمل والاستقرار المستدام، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تمكين المرأة كعنصر منتج ومؤثر.
الجزء الأول: التمكين الاقتصادي.. من ثقافة الاستهلاك إلى صناعة الفرصة
في المحطة الأولى، والتي تلخصت في الوحدة السادسة تحت شعار «أنا جزء من المجتمع»، ركزت فلسفة التدريب على تفكيك المشهد الاقتصادي المعاصر للمرأة السعودية.
وترصد الدكتورة منيرة تحولًا نوعيًا في وعي المتدربات؛ فالمرأة اليوم لم تعد تبحث في المشاريع الصغيرة والمتوسطة عن مجرد «دخل إضافي» يسد حاجة عابرة، بل أصبحت الدوافع أكثر نضجًا واتساعًا، وتتمحور حول تحقيق الاستقلال المالي، واستثمار المهارات الشخصية والمهنية، وتحويل الهوايات والشغف إلى مشاريع ذات قيمة مضافة للمجتمع.
وتصف الدكتورة منيرة ذلك التغيير لـ «الواحة نيوز» قائلة: «لقد لمستُ لدى المتدربات رغبة صادقة في الانتقال من مرحلة الاعتماد على الفرص الجاهزة إلى مرحلة صناعة الفرصة؛ وهذا بحد ذاته قفزة نوعية في الوعي الاقتصادي».
هذا الوعي المتنامي هو الوقود الذي حوّل فلسفة التدريب داخل البرنامج من التركيز على الاستهلاك الآني، إلى ترسيخ ثقافة الادخار وبناء الأمان المالي. فالبرنامج يسعى لإعادة تشكيل العلاقة بين المرأة والمال لتصبح علاقة قائمة على التقييم والتخطيط وترتيب الأولويات، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن التمكين الاقتصادي الحقيقي يبدأ من طريقة التفكير الداخلية، وبأن الادخار ليس حرمانًا بل هو حماية، وأن المشروع الناشئ ليس مغامرة عشوائية بل مسار منظم ينمو بالانضباط والتخطيط المستمر.
كسر «عقدة الأرقام» بموضوعية تحليل الـ SWOT
لكن الأفكار الواعدة والشغف الكبير يصطدمان دائمًا بحاجز من التردد والخوف؛ فكثير من النساء يمتلكن مهارات إنتاجية أو خدمية استثنائية، لكن المخاوف تطل برأسها عند عتبة الأسئلة التشغيلية الصعبة: كيف أبدأ؟ كيف أحسب التكلفة؟ كيف أعرف إن كان مشروعي مجديًا؟ وماذا لو واجهتني خسارة أو تعثر؟
هنا تحديدًا، تحولت قاعة التدريب إلى «مختبر للأمان» عبر إدخال أدوات استراتيجية مثل تحليل البيئة الداخلية والخارجية (SWOT)؛ لتمكين المتدربات من رؤية مشاريعهن بعين موضوعية مجردة، بعيدًا عن الانبهار الزائد أو الخوف المفرط. ومن خلال رصد نقاط القوة والضعف، واستغلال الفرص وتفكيك التهديدات والتحديات، تلاشت غيامة القلق العام، وحل مكانها التفكير المنظم القابل للحل والمعالجة والتحليل.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد لكسر «رهبة الأرقام والمعادلات المحاسبية الأولى». فالأرقام والبيانات المالية حين تُقدم بلغة معقدة تصبح حاجزًا طاردًا للشغف، لكن فلسفة «قصة أمل» اعتمدت على تبسيط تلك المفاهيم (كالربح، والتسعير، والتكلفة، والتدفق النقدي) عبر أمثلة حية قريبة ومستوحاة من الواقع اليومي للمستفيدات. وبذلك، تحول الرقم من معضلة رياضية مسببة للحيرة إلى أداة قوية ومطوعة لاتخاذ القرار المستنير القائم على حقائق تحمي المشروع من العشوائية.
وخرجت المتدربات من هذا التحدي بقناعة جوهرية مفادها: «إن إدارة المخاطر لا تعني أبدًا منع التحديات، بل الاستعداد المسبق لها وتقليل آثارها وتجنب الارتجال».
الجزء الثاني: التمكين القانوني.. الوعي درعًا لحماية الحقوق والاستقرار
ومع نهاية المحطة الريادية والاقتصادية، أدركت المتدربات أن الاستقرار المالي والمشروع التجاري الناجح لا يكتمل بنيانه الاقتصادي والتشغيلي إلا بوجود درع متين يحميه ويضمن استمراريته في السوق؛ وهنا انطلقت الوحدة السابعة تحت شعار «من حقي أن أعرف»، لتغوص في الجوانب القانونية والأنظمة المحلية التي تضمن لهذه المشاريع والقرارات الأمان والديمومة، وتؤكد على أهمية الوعي القانوني بوصفه أداة تمكينية تعزز قدرة المرأة على حماية حقوقها والتعامل الواعي مع القضايا الأسرية والعدلية.
الطفرة التشريعية ونظام الأحوال الشخصية
تؤكد الدكتورة منيرة العامر أن المملكة تعيش بالفعل طفرة تشريعية متقدمة أسهمت في وضوح الحقوق والواجبات، وعلى رأسها صدور نظام الأحوال الشخصية، الذي يمثل نقلة نوعية في تنظيم مسائل الأسرة، وتوضيح الأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة والخلع.
وتشير الدكتورة منيرة إلى أثر هذا النظام في تمكين المرأة قائلة: «أثر هذا النظام يظهر أولًا في وضوح النصوص، وثانيًا في تقليل الاجتهادات المتباينة، وثالثًا في تعزيز قدرة المرأة على معرفة حقها والمطالبة به وفق مسار نظامي واضح. فالمرأة حين تدرك حقها في النفقة، وتستوعب ضوابط الحضانة، وتعرف إجراءات الخلع، تكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات واعية، بعيدًا عن الخوف أو التنازل غير المدروس».
وقد واكب التدريب هذه الطفرة بتبسيط الإجراءات القانونية بلغة واضحة لإزالة رهبة المحاكم والتقاضي؛ حيث تبين أن جزءًا كبيرًا من الرهبة والتردد يعود للصورة الذهنية المرتبطة بالإجراءات وليس للنظام ذاته.
وعندما تعرفت المتدربات على خطوات رفع صحيفة الدعوى، وآليات التقديم عبر المنصات العدلية، ومسارات الصلح، وطرق الإثبات، أدركن أن القانون ليس عالمًا معقدًا، بل منظومة متاحة لحماية الحقوق وتنظيم العلاقات وتوضيح آليات التقاضي أمام محاكم الأحوال الشخصية ونظام المرافعات الشرعية.
أنظمة الحماية وسياج الأمان ضد الشائعات
ولم يتوقف الوعي عند الأحوال الشخصية، بل امتد ليتناول «نظام الحماية من الإيذاء» و«نظام حماية الطفل»، واللذين يمثلان سياجًا أمنيًا متينًا لصون الكرامة الإنسانية والحد من ممارسات العنف أو الإهمال أو الاستغلال.
ومع ذلك، تؤكد الدكتورة منيرة أن وجود الأنظمة وحدها لا يكفي ما لم يصاحبه وعي بكيفية تفعيلها ومعرفة قنوات التبليغ الرسمية وطلب المساندة.
وتوضح لـ «الواحة نيوز»: «من خلال التفاعل مع المتدربات، أستطيع القول إن الوعي في تنامٍ ملحوظ، لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من التبسيط والتكرار والتوثيق؛ فبعض النساء يعرفن بوجود الأنظمة، لكن قد لا يعرفن متى يُعد الفعل إيذاءً نظاميًا، أو ما هي الجهات المختصة، وكيف يتم التبليغ، وما الضمانات التي تحمي المُبلغ أو المتضرر».
وهنا تجلت فلسفة التدريب في التمكين المعرفي لمواجهة الشائعات والاستشارات غير الدقيقة المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي. فالمرأة الواعية قانونيًا لا تبني قرارها المصيري على مقطع فيديو عابر أو تجربة فردية، بل تعود إلى المصادر والمنصات الحكومية الرسمية المعتمدة للحصول على الأنظمة واللوائح، وتستشير المختصين، وتفرق بين الرأي الشخصي والمعلومة النظامية.
هذا الوعي يعيد للمرأة ثقتها بالمعلومة الصحيحة، ويحد من الخوف، ويمنع تضخيم المشكلات، ويرسخ ثقافة مجتمعية ترى أن طلب الحماية أو الاستشارة القانونية ليس ضعفًا، بل وعي ومسؤولية.
مسك الختام: الأمل كـ «مشروع بناء» لا ينتهي بانتهاء التدريب
حين تنطفئ شاشات العرض وتغادر المتدربات قاعة التدريب، لا تنتهي حكاية هذا البرنامج، بل تبدأ دورتها الحقيقية في المجتمع. وعن الأثر المستدام الذي تطمح الدكتورة منيرة العامر أن تراه مغروسًا في وجدان وعقل كل متدربة بعد انتهاء هذه الوحدات، تلخص رؤيتها بكلمات نابعة من عمق الرسالة التدريبية:
«إذا أردت أن أختصر (قصة أمل) التي أطمح أن تبقى مغروسة، فهي أن تخرج المرأة من البرنامج وهي أكثر إيمانًا بذاتها، وأكثر وعيًا بحقوقها، وأكثر قدرة على صناعة مستقبلها، وكلها ثقة بالله أولًا ثم بخطوات واقعية ومسؤولة».
وتختتم حديثها الملهم لـ «الواحة نيوز» بالقول: «لم يكن الأمل في هذا البرنامج يومًا شعارًا عاطفيًا، بل هو (مشروع بناء)؛ أن تتعلم المرأة كيف تدير موردها، وتحمي حقها، وتقرأ واقعها، وتخطط لفرصتها، وتثق بأن المعرفة قوة، وأن التمكين يبدأ من الوعي ثم يتحول إلى ممارسة.
أطمح أن تغادر كل متدربة وهي تحمل ثلاث رسائل داخلية واضحة: أنها بعون الله قادرة على أن تبدأ، وقادرة على أن تتعلم، وقادرة على أن تحمي نفسها وأسرتها بالمعرفة والوعي والنظام والعمل.
فالمرأة حين تملك الوعي الاقتصادي تصبح أكثر استقرارًا، وحين تملك الوعي القانوني تصبح أكثر أمانًا واطمئنانًا، وحين تجتمع لديها الثقة والمعرفة تتحول من متلقية للدعم إلى شريكة في التنمية وصانعة للأثر. وهذا في تقديري هو جوهر برنامج (قصة أمل): أن نصنع أثرًا لا ينتهي بانتهاء الجلسات التدريبية، بل يستمر في قرار، ومشروع، وأسرة، والحياة».