ليست مجرد عبارة مجاملة تُقال، بل حقيقة تاريخية وسياسية وإنسانية تشهد بها الوقائع قبل الكلمات. فحين اضطرب الإقليم، واهتزّت العواصم، وتكسّرت الدول على صخور الفوضى، بقيت المملكة العربية السعودية واقفة كالجبل، ثابتة كالبوصلة، تمسك بميزان الحكمة في زمن اختلّ فيه الميزان، وتضخّ العقل في شرايين أمة أنهكها الانفعال.
ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن السعودية لا ترى نفسها دولة منعزلة داخل حدودها، بل قلبًا نابضًا في جسد الأمة العربية والإسلامية؛ إذا استقام القلب استقام الجسد كله. فمن دعمها التاريخي والثابت للقضية الفلسطينية دون متاجرة أو استعراض، إلى مساندتها الصادقة للدول العربية في لحظات الانكسار الاقتصادي والسياسي، كانت السعودية دائمًا حاضرة بالفعل لا بالضجيج، وبالكلمة المسؤولة لا بالصراخ، وبالمال حين يكون المال طوق نجاة، وبالسياسة حين تكون السياسة فنّ إنقاذ لا فنّ تدمير.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، تجسّدت الحكمة في أنقى صورها؛ فكان القرار محسوبًا، والموقف متزنًا، والانحياز دائمًا للدولة الوطنية ضد الفوضى، وللاستقرار ضد مشاريع الخراب. ولم يكن ذلك ضعفًا ولا ترددًا، بل وعي دولة تعرف ثقلها، وتدرك أن القيادة الحقيقية ليست في إشعال الحرائق، بل في إطفائها قبل أن تلتهم الجميع.
ثم جاء عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ليضيف بُعدًا جديدًا لمعادلة القوة؛ قوة الرؤية وقوة المستقبل. فانتقلت السعودية من دور الحارس للاستقرار فقط إلى صانع للتحول، ليس داخل حدودها فحسب، بل في محيطها العربي والإسلامي. فمشروعات التنمية العملاقة، والانفتاح الاقتصادي المدروس، وتمكين الشباب، وترسيخ بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، كلها رسائل عميقة تقول للعالم العربي إن النهضة ممكنة، وإن التغيير لا يعني الفوضى، وإن التقدم لا يتناقض مع الهوية. وهذه الرسائل في حد ذاتها كانت دعمًا سياسيًا ومعنويًا لكل دولة عربية تبحث عن طريق الخلاص دون أن تفقد ذاتها.
وحين اشتدّت الأزمات، ظهرت السعودية وسيطًا لا محرّضًا، جامعًا لا مفرّقًا، تمدّ يدها للحوار، وتغلق أبواب الفتن، وتستثمر ثقلها الإقليمي والدولي لخدمة قضايا العرب والمسلمين؛ من اليمن إلى السودان، ومن لبنان إلى العراق، ومن دعم الاقتصادات المنهكة إلى الوقوف بحزم أمام كل تدخل يعبث بأمن المنطقة. وكانت دائمًا تختار الطريق الأصعب، طريق العقل؛ لأن الطريق السهل هو الصراخ، أما الطريق الشاق فهو بناء الاستقرار.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تُوصَف بحق بأنها صمام الأمان؛ لأن الصمام قد لا يراه الجميع، لكنه إذا غاب انفجر كل شيء. والسعودية كانت ولا تزال ذلك الصمام الذي يمنع الانفجار الشامل، ويحفظ الحد الأدنى من التوازن في عالم عربي مشتعل.
وفي الختام، وقبل كل كلمة شكر، لا يسعنا إلا أن نقول: الحمد لله أولًا وأخيرًا، الحمد لله الذي قيّض لهذه الأمة دولًا عاقلة وقيادات راشدة تغلّب الحكمة حين يطغى الجنون، وتحفظ التوازن حين يختلّ. ثم كل الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، قائد الخبرة والبصيرة، الذي أثبت أن الدولة تُدار بالحكمة لا بالمغامرة. والشكر موصول لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قائد الرؤية والتحول، الذي أعاد تعريف معنى القيادة في هذا الزمن، فجمع بين الجرأة والعقل، وبين الطموح والمسؤولية، وبين الحلم والحساب. والشكر العميق للشعب السعودي العظيم، شعب الوعي والانتماء، السند الحقيقي لقيادته، والحاضنة الصلبة لاستقرار دولته.
وستظل المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، صمام أمان هذه الأمة، وذلك فضل من الله أولًا، ثم ثمرة قيادة رشيدة وشعب يستحق كل تقدير واحترام.
ولنا لقاء الأسبوع القادم إن شاء الله.