لم يتوقف قلمي لأن الفكرة نضبت، ولا لأن القناعة خبت،
ولا لأن الشغف بالمجتمع والتنمية تراجع…
بل لأن هناك من كسره، أو حاول ذلك.
سنوات عديدة مرّت منذ أن توقفت عن الكتابة، وأنا أراقب الكلمات وهي تتكدس في داخلي ، تبحث عن نافذة، عن ورقة، عن مساحة آمنة لتخرج
كنت أملك الكثير لأقوله عن المجتمع، عن التنمية، عن المسؤولية، عن الفجوات التي تعيق تقدمنا، وعن السلوكيات التي تحتاج مراجعة لا مجاملة. لكنني اخترت الصمت، ليس ضعفًا، بل تجنباً لمعركة لم أكن أرغب في خوضها آنذاك، في كل مقال كتبته سابقًا، كنت أؤمن أن النقد ليس استهدافًا، وأن التشخيص ليس إساءة، وأن الحديث عن الظواهر لا يعني الطعن في الأشخاص، لكن المفارقة المؤلمة أن بعضهم قرأ المقال لا بعقله، بل بمخاوفه؛ لا بوعيه، بل بحساسيته المفرطة، رأوا أنفسهم في السطور، وظنوا أن القلم وُجِّه خصيصاً لهم ، وأن الكلمات جاءت لتنتقص من مكانتهم، لا لتخدم الصالح العام.
هنا بدأ الكسر…
كسر غير معلن، لكنه عميق الأثر، لم يكن كسر القلم قراراً رسمياً، بل كان نتيجة تراكمات:
• نظرات اتهام بدل نقاش
• تلميحات بدل حوار
• تصنيف بدل تفكير
• وتحويل الرأي إلى خصومة
أدركت حينها أن بعض العقول لا تتقبل المرآة، لأنها لا تحب ما قد تراه فيها، وأن هناك من يفضّل تلميع الواقع على إصلاحه، ومن يعتبر أي حديث عن الخلل تهديدًا لا فرصة.
توقفت، لأنني شعرت أن القلم أصبح عبئاً، وأن الكلمة صارت تُحمَّل ما لا تحتمل، وأن المقال الاجتماعي لم يعد يُقرأ بوصفه مشروع وعي، بل يُفسَّر كمحاكمة شخصية. توقفت احتراماً للفكرة، لا خوفاً من الأشخاص، وتوقفت حفاظاً على المعنى، لا هروباً من النقد.
لكن السؤال الذي ظل يلاحقني طوال هذه السنوات:
هل كُسر القلم فعلًا؟ أم أنني أنا من تركته جانبًا حتى تهدأ الضوضاء؟
اليوم، وبعد هذا التوقف الطويل، أوقن أن القلم لا يُكسر إلا إذا سمحنا بذلك. وأن المقال الاجتماعي الحقيقي لا يجب أن يُكتب لإرضاء الجميع، بل لإيقاظ من يريد أن يرى. فالمجتمعات لا تتقدم بالصمت، ولا بالتجاهل، ولا بحساسية مفرطة تجاه النقد، بل بالشجاعة، والشفافية، والقدرة على التفريق بين الاستهداف والتصحيح.
من الذي كسر قلمي؟
ربما لم يكن شخصاً بعينه…
ربما كانت ثقافة لا تحب الأسئلة،أو بيئة تخشى النقد،أو خوف مؤقت من سوء الفهم.
لكن الأهم:
من الذي سيعيده إلى الكتابة؟
الإجابة بسيطة:
الحاجة إلى الكلمة الصادقة…
والمجتمع الذي يستحق أن يُكتب عنه بصدق، حتى وإن أزعج ذلك البعض
التعليق
الكلمه تدل على سعة فكر وثقافه وسلوك وأسلوب راقي. وفقك الله استاذنا ابو عيسى
مقال جميل أستاذ عبدالله ومليء بالبوح بمشاعرك الصادقة ونواياك الطيبة.
سر في طريقك في التنمية والإصلاح ولا تلتفت للخلف. رضا الناس لا ينبغي أن يكون غاية، ناهيك عن أنه لا يُدرَك. واصِل الطريق بارك الله في خطاك وشكر سعيك وسدّد طريقَك.
أخوك
محمد العيسى
رائع أخي أبا عيسى
مقالك إلهام لكل من يؤمن بالقلم والحقيقة.
كلماتك تذكرنا بأن القلم لا يُكسر
وأن الحقيقة تستحق أن تُقال حتى لو أزعجت البعض.
مقالك إلهام لكل من يؤمن بالقلم والحقيقة.