كيف تحمي الأحساء نخيلها من الصقيع؟.. مثلث الحل بين خبرة المزارع ودعم الوزارة وعلم الجامعة

1 تعليق
كيف تحمي الأحساء نخيلها من الصقيع؟.. مثلث الحل بين خبرة المزارع ودعم الوزارة وعلم الجامعة
https://wahhnews.com/?p=92511
كيف تحمي الأحساء نخيلها من الصقيع؟.. مثلث الحل بين خبرة المزارع ودعم الوزارة وعلم الجامعة
جاسم العبود

بين نسمات البرد وهواجس «الصفر المئوي»، يواجه مزارعو الأحساء تحديات شتوية معقدة؛ تبدأ من «الاحتراق البارد» للجذور وفشل موسم «التنبيت» بسبب الأمطار، وصولاً إلى مخاطر «الشيص» التي تهدد النخيل.

في هذا التحقيق، ترصد صحيفة «الواحة نيوز» ملامح هذه المعاناة من قلب الميدان؛ لتضع استفسارات المزارعين على طاولة مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة، وتستشرف الحلول العلمية مع مختصي جامعة الملك فيصل؛ لتكشف كيف تصمد أكبر واحة نخيل في العالم أمام تقلبات الشتاء ومخالب الصقيع.

صوت الميدان: مزارعو الأحساء في مواجهة «مخالب الشتاء»

يرسم المزارعون: محمد حبيب الحمود، ويوسف أحمد العباد، وحسين أحمد النيف صورة دقيقة للتحديات التي تفرضها تقلبات الشتاء في الواحة، حيث تتداخل العوامل المناخية لتشكل ضغطاً كبيراً على المحاصيل والعمليات الزراعية:

المزارع يوسف أحمد العباد

المزارع يوسف أحمد العباد

1- تحدي الصقيع و«الجفاف الفسيولوجي»:
يؤكد المزارع يوسف العباد أن البرد القارس لا يكتفي بحرق الأنسجة فحسب، بل يعطل قدرة الجذور على امتصاص الماء، مما يؤدي إلى ذبول الأشجار وموتها (خاصة الأشجار ذات الجذور السطحية). وللمواجهة، يطرح العباد حلولاً تقنية وميدانية تشمل:

  • الرش الشمعي: استخدام طبقة شمعية شفافة على الأوراق لتقليل ومنع التبخر التعويضي.
  • العزل الحراري: استخدام «قماش الصقيع» أو «الخيش» لتغطية الأشجار؛ لقدرتهما على حبس حرارة التربة ليلاً مع السماح للنبات بالتنفس والتمثيل الضوئي، محذراً من استخدام «البلاستيك» الذي قد يسبب اختناق النبات وتعفنه.
المزارع محمد حبيب الحمود

المزارع محمد حبيب الحمود


2- مخاطر الأمطار والرياح الساحلية:

يشير المزارع محمد حبيب الحمود إلى مخاطر نوعية ترتبط بموقع الأحساء الجغرافي وتأثرها بالظروف المحيطة ومن أبرزها:

  • رذاذ الملح: الرياح الساحلية القوية تنقل الأملاح وتُرسّبها على الأوراق، مما يسحب رطوبتها ويؤدي إلى جفافها؛ وهذا يستدعي غسل الأشجار بالماء العذب فور انحسار العواصف.

  • المطر الحمضي: التحذير من المطر المحمّل ببعض الملوثات الكيميائية التي قد تضر بالأنسجة والجذور، والحل يكمن في الري المباشر (الغسيل) بعد الهطول لتخفيف أثر التربة.

    المزارع حسين أحمد النيف

    المزارع حسين أحمد النيف

3- موسم «التنبيت» ومعضلة «الشيص»:
يسلط المزارع حسين أحمد النيف الضوء على أخطر تحديات موسم الشتاء المتأخر، وهو فساد عملية التلقيح (التنبيت):

  • غسل اللقاح: تعمل الأمطار والرياح عالية الرطوبة على غسل «الطلع» من الشماريخ الأنثوية، كما تعيق نشاط الحشرات الملقحة، مما يؤدي إلى ظاهرة «الشيص» (وهي الثمار غير الملقحة).

  • الحلول الوقائية: يلجأ المزارعون إلى تغطية العذوق الملقحة بأكياس ورقية لحمايتها، أو استخدام منظمات النمو (المثبتات) لتقليل تساقط الأزهار وزيادة نسبة العقد.

4- إدارة التسميد (العمار) والعمليات الميدانية:
يتفق المزارعون على أن المطر «سلاح ذو حدين»؛ فهو يعطل عمليات الرش والمكافحة والحصاد، ويحوّل التربة إلى وحل يعيق حركة الآليات، ولكنه في الوقت ذاته يوفر فرصاً إيجابية:

  • التوقيت المثالي للتسميد: يُفضل إجراء عملية «العمار» بالتزامن مع المطر لضمان ذوبان العناصر الغذائية وتوفير دثار حراري للجذور.

  • انتقاء الأسمدة: التشديد على أمان الأسمدة البقرية والسمكية (المتحللة)، والتحذير الشديد من استخدام «اليوريا» و«سماد الدواجن» في البرد القارس؛ لقدرتهما العالية على إحراق الجذور نتيجة التفاعلات الكيميائية التي يصعب السيطرة عليها في الأجواء الباردة.

    مدير مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بالأحساء الدكتور عطية بن مقبل الثقفي

    مدير مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بالأحساء الدكتور عطية بن مقبل الثقفي

الجهود الرسمية: كيف تدعم وزارة البيئة والمياه والزراعة مزارعي الأحساء؟

أكد مدير مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بالأحساء، الدكتور عطية بن مقبل الثقفي، أن مكتب الوزارة يعمل عبر قسم الثروة النباتية على تقديم استراتيجية حماية متكاملة، تهدف إلى رفع جاهزية المزارعين لمواجهة مخاطر الصقيع والتقلبات الجوية، وتتلخص في المحاور التالية:

1- الاستجابة الاستباقية والدعم الميداني:

  • التنبؤ والإنذار المبكر: إصدار تنبيهات جوية استباقية بالتعاون مع الجهات المختصة، تتبعها رسائل إرشادية فورية عبر تطبيق «مرشدك الزراعي» والمنصات الرقمية التابعة للوزارة.

  • الزيارات الميدانية: تفعيل دور المهندسين والمختصين لتقديم تقييمات مباشرة للمحاصيل في المزارع، واقتراح إجراءات وقائية مخصصة تضمن تقليل الأضرار الميدانية إلى أدنى مستوياتها.

2- حزمة التوصيات الفنية والوقائية:

  • إدارة مياه الري والأملاح:

    • تنظيم الري وفق الاحتياج الفعلي، والقيام بـ«الري الخفيف» عقب الأمطار لغسل الأملاح المتراكمة ومنع تركزها حول الجذور.

    • التأكد من كفاءة شبكات الصرف؛ لتفادي تجمع المياه وتشبع التربة الذي يؤدي إلى اختناق الجذور وانتشار الأمراض الفطرية.

  • الخدمة الشتوية والتغذية:

    • إجراء التقليم الشتوي لتحسين التهوية، واستخدام التسميد العضوي كدثار حراري ومصدر للخصوبة، مع التحذير من التسميد الكيماوي المكثف أثناء موجات الصقيع.

  • تقنيات العزل والحماية:

    • حماية جذوع الأشجار الصغيرة وأشجار الزينة باستخدام أغطية مناسبة و«المهاد الزراعي» (الملش) للحفاظ على حرارة التربة.

    • تأمين البيوت المحمية عبر إغلاق الأغطية والأبواب بإحكام خلال ساعات الليل.

3- المحاذير الزراعية الشتوية:
يوصي المكتب بضرورة تجنب العمليات التي تجهد التربة أثناء الصقيع (مثل العزق والحرث)، مع التركيز على المراقبة المستمرة للكشف المبكر عن الآفات ومعالجتها بالطرق المعتمدة والموصى بها.

ا.د. ناهد مصطفى راشد، استاذ البساتين في قسم زراعة الأراضي القاحلة بكلية العلوم الزراعية والأغذية بجامعة الملك فيصل

ا.د. ناهد مصطفى راشد، استاذ البساتين في قسم زراعة الأراضي القاحلة بكلية العلوم الزراعية والأغذية بجامعة الملك فيصل

 

«الاحتراق» والجفاف الفسيولوجي

أوضحت أ.د. ناهد مصطفى راشد، أستاذ البساتين من قسم زراعة الأراضي القاحلة في كلية العلوم الزراعية والأغذية بجامعة الملك فيصل، سبل إدارة المحاصيل والنخيل تحت ظروف التقلبات المناخية كالشتاء والبرد والأمطار، من خلال المحاور التالية:

أولًا: ظاهرة «الجفاف الفسيولوجي» والاحتراق
وبينت أنه عند انخفاض حرارة التربة في منطقة الجذور، تقل نفاذية أغشية خلايا الجذر وتضعف قدرة القنوات المائية على تمرير الماء، مما يؤدي إلى هبوط معدلات الامتصاص حتى وإن كانت التربة رطبة.

وفي المقابل، تستمر الأوراق (خاصة دائمة الخضرة) في فقد الماء عبر عملية النتح إذا كان الجو جافاً والرياح نشطة؛ فتظهر أعراض «احتراق الحواف» التي تشبه أعراض الجفاف رغم توفر الماء، وهو ما يُعرف بـ «الجفاف الفسيولوجي».

  • تأثير الجذور السطحية: تكون أكثر عرضة للضرر لأن سطح التربة يبرد أسرع، وقد يتضرر نسيج الجذر نفسه عند حدوث تجمد موضعي.

  • ممارسات الري العلاجية:

    • الري الوقائي الخفيف قبل موجة البرد بـ24–48 ساعة؛ فالتربة الرطبة تحتفظ بالحرارة أكثر من الجافة وتقل فيها تقلبات البرودة.

    • تجنب الري الثقيل مساءً، خاصة قبل ليلة الصقيع مباشرة؛ لأن رفع الرطوبة يزيد من خطر التعفن والفطريات ويطيل بلل السطح.

    • نبضات الري: اعتماد ريات قصيرة نهاراً أثناء فترات البرودة وعند ارتفاع الحرارة قليلاً بدلاً من الريات الكبيرة.

    • قاعدة ذهبية: الهدف ليس «زيادة الماء» بل تثبيت حرارة التربة وتقليل العجز المائي دون رفع رطوبة الأوراق ليلاً.

ثانيًا: الرش الشمعي وأغطية الصقيع

  • المواد الشمعية ومضادات النتح: علمياً، قد تعيق أي طبقة سميكة تبادل الغازات والتمثيل الضوئي؛ لذا يُفضل استخدام مواد شبه نافذة أو طلاءات معدنية خفيفة (مثل الكاولين) لتقليل الإجهاد الإشعاعي دون سد الثغور تماماً.

  • معايير الأمان: التطبيق بتركيزات منخفضة وعلى دفعات، الرش في صباح دافئ، وتجنب الرش على نبات مُجهد، مع ضرورة التجربة على 3–5 أشجار قبل التعميم.

  • قماش الصقيع والخيش:

    • قماش الصقيع: أكفأ، أخف، يسمح بمرور الضوء والهواء، وأقل احتجازاً للماء.

    • الخيش: حل اقتصادي لكنه يمتص الماء ويثقل ويطيل البلل، مما يزيد الفطريات، وقد يسبب «بقع برد» إذا لامس الأنسجة الحساسة.

    • نصيحة: يجب ألا يلامس الغطاء القمم مباشرة (استخدام هيكل بسيط) ويُهوّى نهاراً.

ثالثًا: رذاذ الملح والأمطار الحمضية

  • الغسيل الفعّال: يُفضل صباحاً بعد الشروق ليجف النبات سريعاً، باستخدام رش خفيف متكرر لتذويب الأملاح بماء منخفض الملوحة، وتجنب الغسل مساءً أو في الأيام الغائمة.

  • حماية التربة: جعل الغسل «ورقية» عبر رشاشات موجهة للأعلى، ودعم ذلك باستخدام «الملش»؛ لتقليل تطاير الأملاح من الأرض إلى الأوراق والحد من تبخر رطوبة التربة.

  • الأمطار الحمضية: تسبب تلف طبقة «الكيوتكل»، والتعامل معها يكون بالغسل الصباحي الخفيف والتجفيف السريع، مع إدارة «البلل الورقي» عبر التهوية والتقليم.

رابعًا: تلقيح النخيل وفقد العقد أثناء الأمطار
الأمطار والرطوبة تعيق نشاط الحشرات وتغسل حبوب اللقاح أو تسبب التصاقها. ومن الحلول العملية:

  • التلقيح في «نافذة جفاف»: اختيار فترات جفاف قصيرة (حتى لو لساعة أو ساعتين).

  • تكييس العذوق: تغطية الأغاريض بعد التلقيح مباشرة باستخدام (أكياس ورقية أو قماشية).

  • حفظ اللقاح : عبر التجفيف المنضبط والتخزين البارد لتكرار العملية عند تحسن الطقس.

  • استخدام «حاملات اللقاح»: (مثل البودرة الخاملة) لضمان توزيع أفضل وتقليل التكتل.

خامسًا: التسميد الشتوي والتقويم الذكي

  • الأسمدة العضوية: السماد البقري والسمكي يرفعان درجة الحرارة عبر التحلل الميكروبي، ويعملان كـ«دثار عازل» (كملش سطحي).

  • سماد الدواجن واليوريا: يمثلان خطرًا في البرد القارس؛ إذ تتباطأ اليوريا في التحول مما يسبب تراكم «الأمونيوم» وحرق الجذور، كما أن زيادة النمو الخضري الغض (الطري) تجعل النبات أكثر حساسية للصقيع.

  • التقويم الاستباقي: منهج يعتمد على توقعات الطقس (لمدة 7–10 أيام)، ومؤشرات الحقل (الرطوبة والحرارة)، وقواعد قرار مكتوبة (تقديم أو تأجيل الرش والري)، وتقسيم العمل إلى «نوافذ زمنية» (قبل وأثناء وبعد المطر).

خاتمة ووصايا لمزارعي الواحة:

الخلاصة هي أن الخبرة التقليدية يجب أن تُدعم بالقياس (مثل حساسات الرطوبة، محطات الطقس الصغيرة) وبناء قواعد قرار دقيقة. إن الاستثمار في مصدات الرياح، والملش العضوي، والتوقيت الصحيح للعمليات، يعطي عائداً أعلى بكثير من زيادة المدخلات الكيميائية وقت الأزمات.

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    تقرير إعلامي مميز يكشف عن الأضرار التي يعاني منها المزارعون
    مع الحلول لذالك
    شكرا بومحمد على هذا المقال الرائع والمفيد

اترك تعليق على زائر الغاء الرد

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>