الكتابة في الفن التشكيلي تتضمن جوانب عديدة، منها التحليل الجمالي، والقراءة النقدية، والجذور التاريخية، وفهم السياق الثقافي، وتفكيك الرموز والدلالات البصرية.
لذلك تأتي أهمية النزاهة في الكتابة عن الفن التشكيلي، وخاصة في بلدنا الحبيب، فنحن بحاجة إلى أقلام تتحمل مسؤولية كبيرة: مسؤولية الوصف، والتفسير، والنقد، والإنصاف. ومن هنا، تبرز النزاهة كقيمة أساسية لا يمكن التنازل عنها في أي خطاب نقدي أو بحثي أو توثيقي يتناول الفن.
ماذا أعني بالنزاهة في الكتابة عن الفن التشكيلي
النزاهة في هذا المجال تعني الصدق، والموضوعية، والأمانة في تقديم العمل الفني وصاحب العمل الفني بعيدًا عن التحيزات الشخصية، أو المصالح الضيقة، أو محاولات التلميع الزائف. هي احترام للفنان، واحترام للعمل نفسه، واحترام أيضًا للقارئ الذي يبحث عن معرفة حقيقية، غير مشوّهة بالمجاملة أو الحسابات الشخصية.
لماذا النزاهة ضرورية
-
حفظ التاريخ الفني: عندما تُكتب الأعمال بنزاهة، تتحول الكلمات إلى وثيقة تحفظ أثر الفنان ومكانته للأجيال القادمة. أما الكتابة المزيفة، فهي لا تفعل سوى تشويه مسار التاريخ وإرباك صورة الإبداع.
-
إعطاء كل ذي حق حقه: النزاهة تضمن أن ينال الفنان الحقيقي التقدير الذي يستحقه، بدل أن تُسلَّط الأضواء على من لا يملك سوى أدوات الدعاية.
-
بناء الثقة بين الكاتب والقارئ: حين يشعر القارئ بأن الكاتب يكتب بضمير حي، فإنه يعود إليه، لا بحثًا عن رأي فحسب، بل عن كلمة صادقة يمكن الوثوق بها.
-
حماية الذائقة الفنية: الكتابة المتحيزة أو المزيفة تُفسد الذوق العام، لأنها تروّج لما لا يستحق، وتتجاهل ما هو عميق وأصيل عن عمد.
مظاهر غياب النزاهة في الكتابة الفنية
-
التلميع المبالغ فيه لفنان لا يملك رصيدًا حقيقيًا من التجربة أو الإبداع.
-
إقصاء أو تجاهل فنانين مهمشين رغم حضورهم الفني الصادق.
-
الكتابة الدعائية التي تركز على الشخص أكثر من العمل الفني نفسه.
-
النقد العدائي الذي ينطلق من تصفية حسابات شخصية لا من قراءة واعية للعمل.
كيف تتحقق النزاهة في الكتابة عن الفن التشكيلي؟
-
المعرفة العميقة: فلا نزاهة بلا إلمام حقيقي بتاريخ الفن، ومدارسه، وتقنياته، وتحولاته.
-
المعاينة المباشرة: الكاتب النزيه يواجه العمل الفني بنفسه، يرى اللوحة أو المنحوتة بعينه، ويكتب انطلاقًا من تجربة مشاهدة حقيقية، لا من نقل مشوّش أو آراء جاهزة.
-
ألا يدعي الكاتب أن عنده الحقيقة المطلقة.
-
الإحالة إلى المصادر: الأمانة العلمية في ذكر المراجع والاقتباسات جزء لا يتجزأ من النزاهة.
-
التوازن: النزاهة لا تعني المديح الدائم، أو الإحباط المستمر لمن يمارس الفن، بل قد تعني النقد التوجيهي أيضًا، شرط أن يكون موضوعيًا وبنّاءً، يفتح أفقًا للفنان والقارئ معًا.
النزاهة كمسؤولية ثقافية وأخلاقية
النزاهة في الكتابة الفنية ليست خيارًا فرديًا، بل مسؤولية ثقافية تحمي مسيرة الفن من التشويه، وتبني الثقة بين الفنانين والجمهور. وهي أيضًا مسؤولية أخلاقية، تضع الكاتب أمام ضميره قبل أن تضعه أمام مصالحه الشخصية.
الكتابة عن الفن التشكيلي بلا نزاهة تظل كتابة عابرة، سرعان ما تذروها الرياح. أما الكتابة النزيهة، فهي التي تترسخ في الذاكرة، وتتحول إلى مرجع حي للأجيال. إنها أشبه بمرآة صافية تعكس جمال الإبداع كما هو، دون تشويه أو إخفاء.
وحين أدعو إلى النزاهة في الكتابة، فإنني في الحقيقة أدعو إلى احترام الفن، واحترام الفنان، واحترام المتلقي معًا.

لوحة الفنانه بيبي الحرز
ماشاء الله كلام جميل ومتقن من فنانة صادقة ومجربة وفقك ربي وسددك
في الصميم👌👌👌👌👌
مقال جيد. نعم نحتاج للنزاهة ونحتاج قبلها الالمام بادوات النقد وأنواعه والخلفية العميقة للناقد في مجال الفن فما يحصل الان مجرد اجتهادات شخصية لا ترتقي الى النقد الفني الاكاديمي والاحترافي.
مقال جميل أستاذة بيبي
ما شاء الله عليك، فعلا هناك جوانب من تقييم العمل الفني يجب الالتفات إليها وبموضوعية وبالتالي نرتقي جميعا بالذاءيقة الفنية.
التعليق
الأستاذة بيبي الحرز مثال للثقافة والفن، مقال رائع جدًا